وجه رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، انتقادات لاذعة وغير مسبوقة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، واصفاً تصريحاته الأخيرة بشأن دور حلفاء الناتو في أفغانستان بأنها "مهينة" و"صادمة". وجاء هذا الرد الحازم يوم الجمعة، بعد أن ألمح ترامب إلى أن قوات التحالف، بما فيها القوات البريطانية، تجنبت خطوط المواجهة الساخنة خلال الحرب التي استمرت عقدين من الزمن.
وأكد ستارمر في معرض رده أن ما قاله الرئيس الأمريكي لا يمس السياسة فحسب، بل يمثل جرحاً عميقاً لمشاعر عائلات الجنود الذين فقدوا أرواحهم أو أصيبوا بإعاقات دائمة أثناء تأدية واجبهم. وقال ستارمر بلهجة حادة: "أعتبر تصريحات الرئيس ترامب مهينة وبصراحة صادمة، ولم أتفاجأ بتسببها بهذا القدر من الأذى لأحبّاء الذين قُتلوا أو أُصيبوا"، مشدداً على أن أي شخص يقع في خطأ كهذا يجب عليه أن "يعتذر بالتأكيد".
تضحيات الجيش البريطاني في هلمند
تكتسب تصريحات ستارمر أهميتها من الحقائق الموثقة حول الدور البريطاني في أفغانستان، والذي كان محورياً ودموياً في آن واحد. فقد تمركزت القوات البريطانية بشكل رئيسي في ولاية هلمند، التي صُنفت كواحدة من أخطر المناطق وأكثرها عنفاً خلال الصراع. وتشير السجلات الرسمية إلى أن المملكة المتحدة فقدت 457 جندياً من خيرة أبنائها في تلك الحرب، فضلاً عن آلاف الجرحى الذين عادوا بإصابات جسدية ونفسية بالغة. هذه الأرقام تدحض بشكل قاطع أي ادعاءات تشير إلى أن الحلفاء اكتفوا بأدوار ثانوية أو تجنبوا القتال المباشر ضد حركة طالبان.
التوتر في العلاقات عبر الأطلسي
تأتي هذه السجالات اللفظية لتلقي بظلالها على "العلاقة الخاصة" التي تجمع بين لندن وواشنطن، خاصة في ظل التباين المستمر في وجهات النظر حول دور حلف شمال الأطلسي (الناتو). ولطالما انتقد ترامب الدول الأعضاء في الحلف بدعوى عدم إنفاق ما يكفي على الدفاع، إلا أن التشكيك في التضحيات الميدانية للجنود يمثل تصعيداً يمس الكرامة الوطنية للدول الحليفة، وهو ما استدعى هذا الرد البريطاني الرسمي والمباشر.
السياق التاريخي والالتزام الدولي
من الجدير بالذكر أن مشاركة بريطانيا وحلفاء الناتو في أفغانستان جاءت تفعيلاً للمادة الخامسة من ميثاق الحلف، والتي تنص على الدفاع المشترك، وذلك عقب هجمات 11 سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة. وقد خاضت قوات التحالف معارك شرسة لسنوات طويلة بهدف مكافحة الإرهاب وإرساء الاستقرار. ويرى مراقبون أن تصريحات ترامب قد تؤثر سلباً على الروح المعنوية للتحالفات الغربية في وقت يشهد فيه العالم توترات جيوسياسية تتطلب أعلى درجات التنسيق والثقة المتبادلة بين الحلفاء.


