في قلب ميدان الجنادرية التاريخي، حيث تمتزج عراقة الماضي بطموحات المستقبل، لم يكن الصيني "ياسين لو" مجرد زائرٍ عابر، بل تحول إلى شاهد عيان على قصة تحول ثقافي ورياضي كبرى تشهدها المملكة العربية السعودية. ياسين، الذي اتخذ من المملكة وطناً ثانياً له منذ أكثر من 15 عاماً، وقف مذهولاً أمام دقة وضخامة تنظيم النسخة الثالثة من مهرجان خادم الحرمين الشريفين للهجن، واصفاً الحدث بأنه تجاوز المفهوم التقليدي للسباقات ليصبح كرنفالاً عالمياً يعكس الهوية السعودية.
انطلاق المهرجان: إحياء للتراث برؤية عصرية
انطلقت منافسات النسخة الثالثة من المهرجان تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود – حفظه الله –، لتؤكد على المكانة العميقة التي تحتلها الإبل في الموروث الثقافي السعودي. وتعد سباقات الهجن رياضة عربية أصيلة ارتبطت بتاريخ الجزيرة العربية، حيث كانت الإبل رفيقة الدرب ومصدر الحياة، واليوم تتحول هذه الرياضة بفضل الدعم الحكومي اللامحدود إلى صناعة رياضية واقتصادية ضخمة تتماشى مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في تعزيز قطاعي الثقافة والرياضة.
ويستمر المهرجان لمدة 10 أيام على أرض ميدان الجنادرية بالرياض، بمجموع جوائز يتجاوز 75 مليون ريال، ويشمل مشاركة خمس فئات معتمدة، بالإضافة إلى سباق الهجانة للراكب البشري (رجال وسيدات) وأشواط "المزاين"، مما يجعله المحرك الأبرز لقطاع الهجن في المنطقة.
تجربة "ياسين لو": من زائر إلى طامح في المنافسة
تحدث ياسين، الذي يشغل منصب مدير المركز الإقليمي الصيني العربي لدراسات التعاون الثقافي والسياحي، بشغف عن تجربته قائلاً: "سمعت وقرأت عن هذا المهرجان عبر الإعلام، وحرصت على الحضور، وفي الحقيقة تفاجأت مما شاهدت من جودة التنظيم؛ المهرجان رائع جداً". وأضاف موضحاً عمق تأثره: "خلال أسبوعين، زرت الموقع 4 مرات لأتعلم وأتزود بالمعلومات. اليوم، ومع انطلاق المهرجان، ازدادت دهشتي من الحماس والتفاعل الجماهيري. هذه التجربة الاستثنائية دفعتني للتفكير جدياً بامتلاك هجن والمشاركة في السباقات مستقبلاً، وسيكون من الجميل أن أكون أول صيني يخوض هذا المضمار".
انعكاسات التطور السياحي والاقتصادي
لم يغفل ياسين الربط بين ما رآه في المهرجان وبين الطفرة السياحية التي تعيشها المملكة، مشيراً إلى أن التطورات الإيجابية بعد عام 2018 كانت نقطة تحول جوهرية. وأوضح: "في السابق كان من النادر وجود صينيين هنا، أما اليوم فقد تجاوز عدد الصينيين المقيمين في الرياض 80 ألفاً، وهذا يعود للمستجدات التي جذبت العالم".
وتشير الإحصائيات الحديثة إلى نجاح المملكة في حجز مكانتها ضمن أفضل 10 وجهات عالمية نمواً في السياحة، بعد استقبالها لأكثر من 30 مليون سائح، وهو ما يعزز من أهمية الفعاليات التراثية مثل مهرجان الهجن في جذب الزوار الدوليين وتعريفهم بالثقافة المحلية.
واختتم ياسين حديثه بالتأكيد على دوره في نقل هذه الصورة المشرقة لبلاده، قائلاً: "أكسبني العيش في السعودية الكثير من المعرفة، ودوري كرئيس للمركز هو المساهمة في نقل ما أشاهد من تطور وحضارة إلى بلدي الصين".


