في خطوة تعكس ثراء المشهد الفني في المملكة العربية السعودية، احتضنت قاعة الصندل للفنون البصرية بمحافظة الأحساء معرض نتاج «رحلة الفن التدريبية»، الذي نظمته جمعية الثقافة والفنون بالأحساء. شهد المعرض تدشين أعمال 22 فنانة تشكيلية سعودية أبدعن في فن الرسم والحرق على الجلود الطبيعية، وذلك بحضور الدكتورة فاطمة الملا، نائبة رئيس جمعية فتاة الأحساء، والأستاذ يوسف الخميس، مدير جمعية الثقافة والفنون بالأحساء، ولفيف من المهتمين بالحراك الثقافي.
الأحساء.. حاضنة الفنون والحرف العالمية
لا يأتي هذا الحراك الفني من فراغ، فمحافظة الأحساء تمتلك إرثاً تاريخياً وحضارياً عميقاً، حيث تُعد أول مدينة خليجية تنضم لشبكة المدن المبدعة التابعة لمنظمة اليونسكو في مجال الحرف اليدوية والفنون الشعبية. وتعتبر مثل هذه الورش والمعارض امتداداً طبيعياً لهذا الاستحقاق العالمي، حيث تسعى الجمعيات الثقافية لدمج الحرف التقليدية القديمة، مثل دباغة الجلود والتعامل مع الخامات الطبيعية، مع الفنون التشكيلية المعاصرة، مما ينتج عنه أعمال فنية ذات طابع تراثي أصيل وبرؤية حداثية تواكب تطلعات رؤية المملكة 2030 في تعزيز الثقافة الوطنية.
تقنيات مبتكرة واستدامة بيئية
أوضح يوسف الخميس، مدير جمعية الثقافة والفنون بالأحساء، أن المعرض يمثل ثمرة النجاح لبرنامج «رحلة الفن الثانية» الذي تنفذه الجمعية في أربع مناطق رئيسية بالمملكة. وأشار إلى أن البرنامج ركز على تطوير الفنون التشكيلية وفتح آفاق جديدة للمشاركات.
من جانبها، كشفت الفنانة التشكيلية سلمى الشيخ، منسقة لجنة الفنون التشكيلية، أن الورشة ركزت على تقنية «الحرق على الجلود الطبيعية» باستخدام جلود السواكني المعالجة بالدباغة النباتية. ويحمل هذا التوجه رسالة بيئية هامة تهدف لتعزيز ثقافة الاستدامة وإعادة التدوير، حيث تم تحويل بقايا الجلود إلى معلقات فنية تحاكي هوية الأحساء، مع حضور طاغٍ لرمز «النخلة» في معظم الأعمال، مما يربط الفن بالبيئة المحلية بشكل وثيق.
تجارب الفنانات: من اللوحات إلى الجلود
شكلت الورشة تحدياً فنياً جديداً للمشاركات اللواتي اعتدن الرسم على القماش أو الزجاج. وفي هذا السياق، ذكرت الفنانة عتاب البحري أنها نقلت خبرتها من تشكيل المعادن إلى الرسم على الجلود، مؤكدة أن التحدي يكمن في تطويع الخامة، لكن النتائج كانت مبهرة وتم إنجازها في وقت قياسي.
أما الفنانة إيمان سعيد الخشرم، فقد وظفت هذه التقنية لتجسيد التراث الشعبي للعروس الأحسائية، موثقة أدوات الزينة التقليدية مثل «التولة» و«المرش» وصناديق المهر، لتقدم وثيقة بصرية للتراث الاجتماعي للمنطقة. بينما اتجهت الفنانة إيمان المبرزي لتوثيق العمارة التاريخية عبر رسم «المدرسة الأميرية» (أول مدرسة نظامية بالأحساء) على قطعة جلدية كبيرة، دامجة بين التاريخ وتقنيات الحرق الحديثة.
الأثر الثقافي والمستقبلي
يُعد هذا المعرض خطوة هامة نحو تمكين الفنانات السعوديات من أدوات فنية غير تقليدية، مما يفتح لهن أبواباً جديدة في سوق العمل الإبداعي والصناعات الحرفية المطورة. وأكدت إدارة الجمعية استمرار عرض هذه الأعمال في محافل قادمة، تأكيداً على دور الفن في حفظ الهوية ونقلها للأجيال القادمة بأساليب مبتكرة تضمن بقاء التراث حياً ومتجدداً.

