أكدت مصادر مطلعة أن الولايات المتحدة والدنمارك بصدد إعادة التفاوض حول اتفاقية الدفاع التاريخية المتعلقة بغرينلاند، والتي يعود تاريخها إلى عام 1951. تأتي هذه الخطوة في ظل متغيرات جيوسياسية متسارعة في منطقة القطب الشمالي، وتزايد الاهتمام الدولي بالمنطقة الغنية بالموارد وذات الأهمية الاستراتيجية الفائقة.
خلفية تاريخية وأهمية استراتيجية
تم توقيع الاتفاقية الدفاعية الأصلية في خضم الحرب الباردة، حيث منحت الولايات المتحدة حق إقامة وتشغيل قواعد عسكرية في غرينلاند، التي تعد إقليماً يتمتع بالحكم الذاتي ضمن مملكة الدنمارك. وكان الهدف الأساسي هو إنشاء نظام إنذار مبكر ضد أي هجوم صاروخي سوفيتي محتمل عبر القطب الشمالي. وتعتبر قاعدة “ثول” الجوية، التي أصبحت الآن “قاعدة بيتوفيك الفضائية”، أبرز مثال على هذا التعاون، حيث لعبت دوراً محورياً في استراتيجية الدفاع الجوي لأمريكا الشمالية لعقود.
في السنوات الأخيرة، عادت غرينلاند لتتصدر المشهد العالمي، لا سيما بعد أن أبدى الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب اهتماماً بشراء الجزيرة في عام 2019، وهو ما قوبل برفض قاطع من كوبنهاغن ونوك (عاصمة غرينلاند). ورغم غرابة الاقتراح، إلا أنه سلط الضوء مجدداً على الأهمية الاستراتيجية الدائمة للجزيرة.
تأثيرات تغير المناخ والمنافسة الدولية
يؤدي تغير المناخ وذوبان الجليد في القطب الشمالي إلى فتح ممرات ملاحية جديدة، مثل الممر الشمالي الغربي، مما يقلص المسافات بين آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية. كما يكشف عن ثروات طبيعية هائلة من النفط والغاز والمعادن النادرة التي كانت في السابق غير قابلة للاستغلال. هذا التحول الجغرافي والاقتصادي جعل المنطقة ساحة جديدة للمنافسة بين القوى الكبرى.
وفي هذا السياق، صرح الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، ينس ستولتنبرغ، على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، بأن المباحثات تهدف إلى تعزيز الأمن الجماعي لدول المنطقة القطبية الشمالية الأعضاء في الحلف، ومنع روسيا والصين من بسط نفوذهما في الجزيرة. وأشار إلى أن الهدف هو ضمان أمن سبع دول رئيسية في المنطقة، وهي الولايات المتحدة، كندا، الدنمارك، آيسلندا، السويد، فنلندا، والنرويج، في وجه الطموحات المتزايدة لموسكو وبكين.
الأهداف المتوقعة والتأثير الإقليمي
تسعى المفاوضات الجديدة إلى تحديث الاتفاقية القديمة لتتماشى مع التحديات الأمنية المعاصرة. ومن المتوقع أن تشمل المباحثات تعزيز القدرات العسكرية والاستخباراتية الأمريكية في غرينلاند، وتطوير أنظمة الرادار والمراقبة، وزيادة التعاون بين أعضاء الناتو في المنطقة. وأوضح مصدر مطلع أن فكرة إقامة قواعد أمريكية تخضع لسيادة الولايات المتحدة الكاملة لم تُطرح للنقاش، مما يؤكد احترام السيادة الدنماركية.
إن تحديث الاتفاقية يبعث برسالة واضحة إلى روسيا، التي عززت وجودها العسكري في القطب الشمالي بإعادة فتح قواعد من الحقبة السوفيتية، وإلى الصين التي أعلنت نفسها “دولة شبه قطبية” وتسعى لمد نفوذها عبر مبادرة “طريق الحرير القطبي”. وبالتالي، فإن هذه الخطوة لا تهدف فقط إلى حماية المصالح الأمريكية والدنماركية، بل إلى تأكيد هيمنة حلف الناتو وقدرته على حماية جناحه الشمالي في مواجهة أي تحديات مستقبلية.


