في قراءة تحليلية لواقع المشهد السينمائي في المنطقة، أكد الناقد الفني وائل العتيبي أن شباك التذاكر السعودي لم يعد مجرد سوق استهلاكي للأفلام، بل تحول إلى لاعب رئيسي ومؤثر في صناعة السينما العالمية. وأوضح أن هذا التحول الجذري جاء مدفوعاً بقوة شرائية عالية، وبنية تحتية متطورة، وأداء متصاعد للإيرادات فرض واقعاً جديداً على شركات الإنتاج الكبرى في هوليوود والعالم، التي باتت تضع السوق السعودي ضمن أولوياتها الاستراتيجية عند طرح إنتاجاتها الضخمة.
تأثير رؤية 2030 على صناعة السينما
يأتي هذا النمو المتسارع كأحد الثمار المباشرة لرؤية المملكة 2030، التي أعادت إحياء قطاع السينما في عام 2018، محولةً إياه من نشاط ترفيهي محدود إلى رافد اقتصادي هام. وقد ساهم الانفتاح الكبير للجمهور السعودي وتنوع ذائقته الفنية في توسيع خيارات دور العرض لتشمل إنتاجات هوليوودية، آسيوية، وعربية، مما عزز من مكانة المملكة كسوق سينمائي استراتيجي في الشرق الأوسط. هذا التنوع لم يثرِ المشهد الثقافي فحسب، بل خلق بيئة تنافسية صحية ترفع من معايير الجودة.
مؤشرات عالمية وأرقام قياسية
واستشهد الناقد الفني بتصدر أفلام عالمية ضخمة، مثل فيلم «أفاتار: النار والرماد»، لشباك التذاكر السعودي (في إشارة للتوقعات العالية للأفلام الكبرى في مواسم الذروة)، كدليل قاطع على شغف الجمهور المحلي بأفلام الخيال العلمي والإنتاجات ذات الميزانيات الضخمة. وأشار العتيبي إلى أن هذا النمو في الإيرادات خلق بيئة تنافسية حقيقية بين الأفلام المحلية والعالمية، مما ينعكس إيجاباً على جودة الصناعة السعودية الوليدة التي تشهد حالياً توسعاً متسارعاً، مدعومة بزيادة ملموسة في الاستثمارات الموجهة لبناء صالات عرض جديدة وتطوير البنية التحتية في مختلف مناطق المملكة.
السينما المصرية: نجاح تجاري وتراجع فني
وفيما يتعلق بالمشهد العربي، تطرق العتيبي إلى واقع السينما المصرية، واصفاً إياها بأنها لا تزال تتسيد خيارات الجمهور السعودي وتتمتع بشعبية جارفة، استناداً إلى تاريخها العريق الذي يمتد لأكثر من قرن، وتأثيرها العميق في الوجدان العربي. ومع ذلك، وصف الوضع الحالي للسينما المصرية بـ «التوصيف الدقيق» الذي يجمع بين النجاح التجاري الساحق والتراجع الفني الملحوظ.
واستدل الناقد على هذا التراجع بغياب الأفلام المصرية اللافت عن منصات التتويج في المهرجانات السينمائية العالمية الكبرى في السنوات الأخيرة، حيث بات التركيز ينصب بشكل أكبر على «الخلطة التجارية» التي تضمن الإيرادات، غالباً على حساب القيمة الفنية والعمق الدرامي. ورغم ذلك، نفى وجود مؤشرات حقيقية لسحب البساط من السينما المصرية لصالح تجارب عربية أخرى مثل لبنان أو تونس أو المغرب، معللاً ذلك بأن تلك الدول، رغم تميزها الفني أحياناً، لا تمتلك صناعة سينمائية متكاملة وغزيرة الإنتاج تضاهي حجم الصناعة في مصر.
تحديات المستقبل وتغير ذائقة الجمهور
واختتم العتيبي رؤيته برصد تحول جوهري في سلوك الأجيال الجديدة عربياً، التي باتت تميل بشكل أكبر لمشاهدة الأفلام الأمريكية والعالمية، مما يفرض تحديات جديدة أمام صناع المحتوى العربي لمواكبة تطلعات الشباب الذين انفتحوا على ثقافات بصرية عالمية عبر المنصات الرقمية. وأكد أن ظهور نجوم جدد وتعدد البلدان المنتجة لا يعني إقصاء الكبار، بل يفتح آفاقاً أوسع للتنوع والثراء الفني، مشدداً على أن السوق السينمائي المفتوح يتسع للجميع، وأن معيار البقاء والمنافسة سيظل مرهوناً بالجودة والقدرة على تلبية تطلعات الجمهور المتغيرة.


