أعلن الجيش الدنماركي عن خطوات تصعيدية لتعزيز وجوده العسكري في جزيرة غرينلاند، في تحرك استراتيجي يأتي وسط تجاذبات جيوسياسية متزايدة واهتمام أمريكي متجدد بالسيطرة على الإقليم. وأكدت القيادة الدنماركية للقطب الشمالي استمرار نشر قوات متخصصة ومعدات ثقيلة، بالتنسيق مع حلفاء أوروبيين، لضمان السيادة على هذه المنطقة الحيوية.
انتشار غير مسبوق لقوات النخبة
في سابقة هي الأولى من نوعها، كشفت القيادة العسكرية عبر منصاتها الرسمية عن نشر عناصر من وحدة النخبة في القوات الخاصة التابعة للجيش الدنماركي في منطقة "ساحل بلوسفيل". وتُعرف هذه المنطقة بتضاريسها شديدة الوعورة وقسوة مناخها، مما يعكس رسالة واضحة حول الجاهزية العسكرية للعمل في أصعب الظروف. وأوضحت القيادة أن الهدف الرئيسي من هذا الانتشار هو "تعزيز الوجود الميداني في القطب الشمالي" وتأمين المناطق النائية.
مناورات بحرية وتحالفات أوروبية
بالتوازي مع التحركات البرية، تشهد المياه المحيطة بالجزيرة نشاطاً عسكرياً مكثفاً. فقد ذكرت قناة "دي آر" الدنماركية انضمام الفرقاطة المتطورة "بيتر ويليمس" إلى تدريبات واسعة النطاق بدأت الأسبوع الماضي، بمشاركة عسكريين من ثماني دول أوروبية. كما تجري الفرقاطة الفرنسية "لا بروتاني" مناورات مشتركة مع السفينة الدنماركية "تيتيس" في شمال المحيط الأطلسي، مما يظهر تضامناً أوروبياً واسعاً مع كوبنهاغن في ملف حماية الحدود الشمالية.
الأهمية الاستراتيجية والصراع على الموارد
لا يمكن فصل هذه التحركات العسكرية عن السياق العام للصراع الدولي على منطقة القطب الشمالي. فمع ذوبان الجليد الناتج عن التغير المناخي، باتت غرينلاند محط أنظار القوى العظمى ليس فقط لموقعها الجغرافي الذي يربط بين القطب الشمالي والمحيط الأطلسي، بل لما تحتويه من ثروات طبيعية هائلة. تشير التقارير الجيولوجية إلى احتواء الجزيرة على احتياطيات ضخمة من المعادن الأرضية النادرة، والنفط، والغاز، واليورانيوم، مما يجعلها ركيزة أساسية في اقتصاد المستقبل والصناعات التكنولوجية.
خلفية تاريخية للأطماع الأمريكية
تأتي هذه التعزيزات بعد أيام قليلة من تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول رغبته في الاستحواذ على غرينلاند "بطريقة أو بأخرى". والجدير بالذكر أن هذا الاهتمام الأمريكي ليس وليد اللحظة؛ ففي عام 1946، عرض الرئيس هاري ترومان شراء الجزيرة من الدنمارك مقابل 100 مليون دولار من الذهب، نظراً لأهميتها العسكرية. وتستضيف الجزيرة بالفعل قاعدة "ثول" الجوية الأمريكية، التي تعد جزءاً حيوياً من نظام الإنذار المبكر الصاروخي للولايات المتحدة، مما يضيف تعقيداً للمشهد العسكري والسياسي الحالي.
ويؤكد الجيش الدنماركي في بيانه الأخير أن قواته "تعزز وجودها في غرينلاند وشمال الأطلسي، وتجري تدريبات بالتعاون مع دول حليفة"، في إشارة ضمنية إلى أن الدفاع عن الجزيرة هو شأن سيادي مدعوم بشراكات دولية وثيقة، وليس مجرد صفقة عقارية محتملة.


