أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال مشاركته في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا، إحياء الجدل الدولي حول رغبة الولايات المتحدة في الاستحواذ على جزيرة غرينلاند. وأكد ترامب يوم الأربعاء أنه لن يلجأ إلى الخيارات العسكرية أو استخدام القوة للسيطرة على الإقليم الدنماركي المتمتع بحكم ذاتي، لكنه شدد في الوقت ذاته على الضرورة الاستراتيجية لامتلاك واشنطن لهذه الجزيرة.
وفي حديثه أمام قادة العالم ورجال الأعمال، قال ترامب: “لن نحصل على شيء على الأرجح إلا إذا قررت استخدام قوة مفرطة، وعندها سنكون، بصراحة، قوة لا يمكن إيقافها، لكنني لن أفعل ذلك”. وأضاف موضحاً موقفه الذي أثار لغطاً واسعاً: “حسناً. الآن الجميع يقول: حسناً، جيد. ربما كان هذا أهم تصريح أدليت به، لأن الناس اعتقدوا أنني سأستخدم القوة. لا أحتاج إلى استخدام القوة. لا أريد استخدام القوة. لن أستخدم القوة”.
دعوة لمفاوضات فورية
لم يكتفِ الرئيس الأمريكي بنفي الخيار العسكري، بل طالب بإجراء محادثات “فورية” بشأن استحواذ واشنطن على الجزيرة القطبية. وبرر ترامب هذا الإصرار بقوله إن “الولايات المتحدة وحدها القادرة على حماية هذه الكتلة الهائلة من اليابسة، هذه القطعة الهائلة من الجليد، وتطويرها وتحسينها”، مضيفاً: “لهذا السبب أسعى إلى مفاوضات فورية لمناقشة استحواذ الولايات المتحدة على غرينلاند”.
خلفيات تاريخية: ليست المحاولة الأولى
على الرغم من أن تصريحات ترامب قد تبدو مفاجئة للبعض، إلا أن الاهتمام الأمريكي بشراء غرينلاند ليس وليد اللحظة ولا يقتصر على الإدارة الحالية. تاريخياً، تعود الرغبة الأمريكية في السيطرة على الجزيرة إلى القرن التاسع عشر، وتحديداً في ستينيات القرن التاسع عشر خلال فترة ولاية وزير الخارجية ويليام سيوارد. وفي عام 1946، قدم الرئيس الأمريكي هاري ترومان عرضاً رسمياً للدنمارك لشراء الجزيرة مقابل 100 مليون دولار من الذهب، إلا أن العرض قوبل بالرفض حينها.
الأهمية الاستراتيجية والجيوسياسية
ينبع الإصرار الأمريكي على ضم غرينلاند من موقعها الجيوسياسي بالغ الأهمية، خاصة في ظل التنافس الدولي المتصاعد في منطقة القطب الشمالي بين الولايات المتحدة وروسيا والصين. تحتوي الجزيرة على قاعدة “ثول” الجوية (Thule Air Base)، وهي أقصى قاعدة عسكرية أمريكية في الشمال، وتلعب دوراً محورياً في نظام الإنذار المبكر بالصواريخ الباليستية ومراقبة الفضاء.
علاوة على ذلك، ومع ذوبان الجليد نتيجة التغير المناخي، أصبحت غرينلاند محط أنظار القوى العظمى لما تحتويه من ثروات طبيعية هائلة غير مستغلة، تشمل مخزونات كبيرة من المعادن الأرضية النادرة، والنفط، والغاز الطبيعي، بالإضافة إلى إمكانية فتح ممرات ملاحية جديدة تختصر طرق التجارة العالمية.
توتر العلاقات الدبلوماسية
يأتي تجديد ترامب لمطالبه بعد فترة من التوتر الدبلوماسي الذي شاب العلاقات بين واشنطن وكوبنهاغن في أغسطس الماضي، عندما ألغى ترامب زيارة مقررة للدنمارك بعد أن وصفت رئيسة الوزراء الدنماركية، ميتي فريدريكسن، فكرة بيع غرينلاند بأنها “سخيفة”. وقد أكدت الحكومة الدنماركية وحكومة غرينلاند المحلية مراراً أن الجزيرة “مفتوحة للأعمال التجارية، لكنها ليست للبيع”، مما يضع رغبات ترامب المتجددة أمام تحديات دبلوماسية وسيادية معقدة.


