في تصريحات نارية استهل بها مشاركته في المنتدى الاقتصادي العالمي، وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتقادات حادة للقارة الأوروبية، معتبراً أنها "لا تسير في الاتجاه الصحيح"، وذلك خلال خطابه أمام النخبة السياسية والاقتصادية المجتمعة في منتجع دافوس السويسري. وتأتي هذه التصريحات لتعزز نهج الرئيس الأمريكي القائم على سياسة "أمريكا أولاً"، ولتلقي الضوء على التباين المستمر في الرؤى الاقتصادية والسياسية بين ضفتي الأطلسي.
أمريكا محرك النمو العالمي
وشدد الرئيس الأمريكي في كلمته على الدور المحوري الذي تلعبه الولايات المتحدة في استقرار ونمو الأسواق العالمية، واصفاً بلاده بأنها "المحرك" الحقيقي للاقتصاد العالمي. وقال ترامب بلهجة واثقة: "عندما تزدهر أمريكا يزدهر العالم، وعندما تسوء أحوالها، تسوء أحوال الجميع". يعكس هذا التصريح قناعة الإدارة الأمريكية بأن السياسات الحمائية، وخفض الضرائب، وتقليل القيود التنظيمية التي انتهجتها واشنطن، هي النموذج الأمثل الذي يجب أن يحتذى به لتحقيق معدلات نمو قياسية، مقارنة بالنموذج الأوروبي الذي يراه ترامب مثقلاً بالبيروقراطية.
خلفية التوترات: رؤى اقتصادية متباينة
لا تأتي انتقادات ترامب لأوروبا من فراغ، بل تستند إلى سياق طويل من الخلافات حول السياسات التجارية والإنفاق الدفاعي. لطالما انتقد الرئيس الأمريكي العجز التجاري مع الاتحاد الأوروبي، ملوحاً في أكثر من مناسبة بفرض رسوم جمركية على المنتجات الأوروبية، خاصة السيارات. كما يرى الجانب الأمريكي أن أوروبا تعاني من تباطؤ اقتصادي هيكلي نتيجة القوانين الصارمة، وهو ما يجعلها -من وجهة نظره- عبئاً على الاقتصاد العالمي بدلاً من أن تكون شريكاً في النمو. في المقابل، تدافع أوروبا عن نموذجها الاقتصادي الذي يوازن بين النمو والرفاه الاجتماعي وحماية المناخ، وهي ملفات غالباً ما تكون نقاط خلاف جوهرية مع الإدارة الأمريكية.
الأهمية الجيوسياسية والاقتصادية للحدث
يكتسب خطاب ترامب في دافوس أهمية خاصة نظراً لتوقيته ومكانه؛ فالمنتدى الاقتصادي العالمي يعد المنصة الأبرز التي تجمع قادة العالم ورؤساء الشركات الكبرى. رسالة ترامب هنا تتجاوز النقد العابر لتشكل دعوة صريحة للمستثمرين العالميين للرهان على الاقتصاد الأمريكي. إن التأكيد على أن الولايات المتحدة هي "القاطرة" يحمل في طياته تحذيراً مبطناً من أن أي تراجع في الاقتصاد الأمريكي سيؤدي إلى هزات عنيفة في الأسواق الناشئة والمتقدمة على حد سواء، نظراً لارتباط العملات والأسواق المالية العالمية بالدولار الأمريكي وبالسياسات النقدية للفيدرالي الأمريكي.
التأثير المتوقع على العلاقات عبر الأطلسي
من المتوقع أن تثير هذه التصريحات ردود فعل متباينة داخل الأروقة الأوروبية، حيث قد تزيد من حدة التوتر الدبلوماسي وتدفع القادة الأوروبيين للبحث عن استقلالية استراتيجية أكبر بعيداً عن المظلة الأمريكية، سواء في الجوانب الاقتصادية أو الدفاعية. وعلى الصعيد الدولي، تضع هذه التصريحات المؤسسات الدولية والشركاء التجاريين أمام واقع التعامل مع نهج أمريكي يربط الازدهار العالمي بمدى توافقه مع المصالح الأمريكية المباشرة، مما يعيد تشكيل خارطة التحالفات الاقتصادية في السنوات المقبلة.


