في خطوة تعيد إحياء واحد من أكثر الملفات الجيوسياسية إثارة للجدل في السنوات الأخيرة، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يوم الثلاثاء، عن عزمه تنظيم اجتماع موسع مع "مختلف الأطراف" لمناقشة قضية جرينلاند، وذلك على هامش أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا. ويأتي هذا الإعلان ليؤكد إصرار الإدارة الأمريكية على المضي قدماً في مساعيها لضم الجزيرة الأكبر في العالم، معتبرة إياها ركيزة أساسية للأمن القومي.
تفاصيل الإعلان والمحادثات مع الناتو
عبر منصته "تروث سوشال"، كشف ترامب عن موافقته على عقد هذا الاجتماع، مشدداً على أن "جرينلاند ضرورة حيوية للأمن القومي والعالمي"، ومشيراً بوضوح إلى أن هذا المسار "لا رجوع عنه". وفي سياق التحضير لهذه الخطوة، أوضح الرئيس الأمريكي أنه أجرى مكالمة هاتفية وصفها بـ"الجيدة جداً" مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، مارك روته، تركزت حول ملف جرينلاند، مما يعكس البعد العسكري والأمني للمسألة. وأكد ترامب في تصريحاته على مبدأ "السلام من خلال القوة"، واصفاً الولايات المتحدة بأنها القوة الوحيدة القادرة على ضمان الاستقرار العالمي.
خلفيات تاريخية واهتمام أمريكي قديم
لم تكن رغبة ترامب في شراء جرينلاند وليدة اللحظة، بل تعود إلى ولايته الأولى في عام 2019، حينما أثار طرحه للفكرة أزمة دبلوماسية قصيرة مع الدنمارك، التي تتمتع جرينلاند بالحكم الذاتي تحت تاجها. تاريخياً، الاهتمام الأمريكي بالجزيرة ليس جديداً؛ فقد حاولت الولايات المتحدة شراء الجزيرة لأول مرة في عام 1946 في عهد الرئيس هاري ترومان مقابل 100 مليون دولار من الذهب، نظراً لموقعها الاستراتيجي الحيوي في القطب الشمالي.
الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية لجرينلاند
تكتسب جرينلاند أهمية قصوى في الحسابات الجيوسياسية المعاصرة لعدة أسباب. أولاً، موقعها الجغرافي في المنطقة القطبية الشمالية يجعلها نقطة ارتكاز حيوية لمراقبة الممرات المائية والجوية بين أمريكا الشمالية وأوروبا وروسيا. وتستضيف الجزيرة بالفعل قاعدة "ثول" الجوية الأمريكية، التي تعد جزءاً أساسياً من نظام الإنذار المبكر للصواريخ الباليستية.
ثانياً، من الناحية الاقتصادية، تزخر جرينلاند بموارد طبيعية هائلة غير مستغلة، بما في ذلك المعادن الأرضية النادرة التي تعتبر ضرورية للصناعات التكنولوجية المتقدمة والبطاريات والأنظمة الدفاعية، وهو ما يضعها في قلب المنافسة الدولية، خاصة مع تزايد الاهتمام الصيني والروسي بالمنطقة القطبية. ويرى مراقبون أن إصرار ترامب وتصريحه بأن القادة الأوروبيين "لن يتصدوا بشدة" يعكس رغبة أمريكية حازمة في حسم هذا الملف لتعزيز الهيمنة الاستراتيجية في القطب الشمالي.


