وجه وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، تحذيراً شديد اللهجة للدول الأوروبية، ناصحاً إياها بعدم الانجرار وراء ردود فعل انتقامية تتمثل في فرض رسوم جمركية مضادة، وذلك في خضم التوتر المتصاعد بشأن رغبة الرئيس دونالد ترامب في الاستحواذ على جزيرة غرينلاند. وجاءت هذه التصريحات على هامش فعاليات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، حيث وصف بيسنت أي تحرك أوروبي لفرض رسوم على الولايات المتحدة بأنه سيكون "خطوة غير حكيمة بتاتاً".
وأكد بيسنت للصحفيين أن الإدارة الأمريكية تنظر إلى المسألة من منظور الأمن القومي والاستراتيجي، مشيراً إلى أن الرئيس ترامب يعتبر الإقليم الدنماركي المتمتع بالحكم الذاتي "أصلاً استراتيجياً" لا يمكن الاستغناء عنه. وأضاف الوزير الأمريكي عبارة تحمل دلالات جيوسياسية عميقة قائلاً: "لن نوكل أمن نصف الكرة الأرضية الغربي لأي طرف آخر"، في إشارة واضحة إلى عزم واشنطن تعزيز نفوذها في المنطقة القطبية.
الأهمية الاستراتيجية لغرينلاند
لفهم إصرار الإدارة الأمريكية على هذه الخطوة، يجب النظر إلى الموقع الجيوسياسي لغرينلاند. تعد الجزيرة الأكبر في العالم بوابة حيوية نحو القطب الشمالي، وهي منطقة تشهد تنافساً دولياً متزايداً بين القوى العظمى، خاصة مع ذوبان الجليد الذي يفتح ممرات ملاحية جديدة ويسهل الوصول إلى الموارد الطبيعية. تحتوي غرينلاند على احتياطيات هائلة من المعادن الأرضية النادرة الضرورية للصناعات التكنولوجية والعسكرية الحديثة، مما يجعل السيطرة عليها مكسباً اقتصادياً وأمنياً كبيراً.
علاوة على ذلك، تستضيف الجزيرة قاعدة "ثول" الجوية الأمريكية (Thule Air Base)، وهي أقصى قاعدة عسكرية للولايات المتحدة في الشمال، وتلعب دوراً محورياً في نظام الإنذار المبكر للصواريخ الباليستية ومراقبة الفضاء، مما يجعل الوجود الأمريكي هناك مسألة أمن قومي لا تقبل المساومة بالنسبة لواشنطن.
تاريخ من الاهتمام الأمريكي والرد الأوروبي
جدير بالذكر أن اهتمام الولايات المتحدة بشراء غرينلاند ليس وليد اللحظة أو مقتصراً على حقبة ترامب فقط؛ فقد سبق وأن عرضت إدارة الرئيس هاري ترومان شراء الجزيرة من الدنمارك في عام 1946 مقابل 100 مليون دولار من الذهب، إلا أن العرض قوبل بالرفض حينها. وتجدد الطرح في ولاية ترامب الأولى عام 2019، ووصفته رئيسة وزراء الدنمارك آنذاك بأنه "سخيف"، مما أدى إلى توتر دبلوماسي مؤقت.
وفي سياق ردود الفعل الحالية، أعلن رئيس المجلس الأوروبي، أنتونيو كوستا، عن دعوته لعقد قمة استثنائية طارئة للقادة الأوروبيين خلال الأيام المقبلة. ويهدف الاجتماع إلى تنسيق موقف أوروبي موحد للرد على التهديدات الأمريكية بفرض رسوم جمركية إذا لم يتم تسهيل عملية الاستحواذ. وكتب كوستا عبر منصات التواصل الاجتماعي: "نظراً لأهمية التطورات الراهنة وبهدف التنسيق بشكل أكبر، قررت الدعوة إلى اجتماع طارئ للمجلس الأوروبي"، مما ينذر باحتمالية نشوب نزاع تجاري قد يلقي بظلاله القاتمة على الاقتصاد العالمي المترابط.


