شهدت الأسواق المالية العالمية تحولات دراماتيكية خلال تعاملات اليوم الإثنين، حيث حلقت أسعار الذهب والفضة إلى مستويات قياسية غير مسبوقة. جاء هذا الصعود القوي مدفوعاً بموجة من العزوف عن المخاطرة، عقب تصعيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لنبرته تجاه الحلفاء الأوروبيين، مهدداً بفرض رسوم جمركية عقابية على خلفية النزاع الجيوسياسي المتصاعد حول السيطرة على جزيرة جرينلاند.
أرقام تاريخية للمعدن الأصفر والفضة
في استجابة فورية لحالة عدم اليقين، قفز الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 1.6% ليصل إلى سعر 4,666.11 دولار للأوقية بحلول الساعة 05:51 بتوقيت غرينتش، وذلك بعد أن لامس خلال الجلسة ذروة تاريخية عند 4,689.39 دولار. وتوازى هذا الصعود مع ارتفاع العقود الآجلة للذهب في الولايات المتحدة (تسليم فبراير) بنسبة 1.7% لتستقر عند 4,671.90 دولار للأوقية.
ولم تكن الفضة بمعزل عن هذا الزخم، حيث سجل السعر الفوري قفزة هائلة بنسبة 3.6% ليصل إلى 93.15 دولار للأوقية، بعد تسجيله مستوى قياسياً بلغ 94.08 دولار، مما يعكس إقبالاً شرائياً كثيفاً على المعادن النفيسة.
خلفيات النزاع: لماذا جرينلاند؟
تعود جذور هذا التوتر إلى الأهمية الاستراتيجية القصوى التي تتمتع بها جزيرة جرينلاند التابعة للدنمارك. فالجزيرة القطبية ليست مجرد مساحة جليدية، بل تعد موقعاً استراتيجياً حيوياً بين أمريكا الشمالية وأوروبا، فضلاً عن احتوائها على موارد طبيعية هائلة ومعادن نادرة أصبحت محط أنظار القوى العظمى.
وكان ترامب قد تعهد يوم السبت الماضي بشن موجة متصاعدة من الرسوم الجمركية على الدول الأوروبية، كوسيلة ضغط لإجبارها على السماح للولايات المتحدة بشراء الجزيرة. هذا التصعيد أعاد للأذهان محاولات سابقة ومناوشات دبلوماسية حول وضع الجزيرة، إلا أن استخدام سلاح “الرسوم الجمركية” نقل الخلاف من الأروقة السياسية إلى صلب الاقتصاد العالمي، مما دفع سفراء الاتحاد الأوروبي لبحث إجراءات انتقامية فورية.
الملاذات الآمنة تنتعش وسط مخاوف الحرب التجارية
ألقى هذا التوتر بظلاله القاتمة على شهية المخاطرة في الأسواق؛ إذ تراجعت العقود الآجلة للأسهم الأمريكية وانخفض الدولار، بينما توجهت رؤوس الأموال نحو الملاذات الآمنة التقليدية. وإلى جانب الذهب، شهد الين الياباني والفرنك السويسري ارتفاعاً ملحوظاً.
وفي هذا السياق، علق مات سيمبسون، كبير المحللين في شركة «ستون إكس»، قائلاً: «التوترات الجيوسياسية منحت داعمي الذهب سبباً إضافياً لدفع المعدن الأصفر إلى مستويات قياسية جديدة». وأضاف محذراً: «مع إدخال ترامب سلاح الرسوم الجمركية إلى المعادلة، يتضح أن تهديده بشأن جرينلاند جدي، وقد نكون على بعد خطوة من اهتزاز توازنات سياسية كبرى داخل أوروبا وحلف الناتو».
توقعات المحللين: الذهب أم الفضة؟
رغم الأداء القوي للفضة، أبدى المحللون آراء متباينة حول المستقبل القريب. قال كريستوفر وونغ، محلل الأسواق لدى «OCBC»: «الآفاق متوسطة المدى للفضة لا تزال إيجابية، مدعومة بعجز مستمر في المعروض الفعلي وطلب صناعي قوي». ومع ذلك، نبه إلى أن وتيرة الصعود السريعة قد تستدعي الحذر، مشيراً إلى أن نسبة الذهب إلى الفضة تراجعت بشكل حاد من مستويات قرب 105 أواخر عام 2025 إلى نطاق الخمسينات حالياً.
من جهتهم، أكد محللو «جيه بي مورجان» تفضيلهم للذهب هيكلياً في المرحلة الحالية، معتبرين أي تصحيح سعري في الفضة قد يؤثر مؤقتاً على الذهب، لكنه سيظل فرصة للشراء.
وعلى صعيد المعادن الأخرى، ارتفع البلاتين بنسبة 0.6% إلى 2,341.08 دولار للأوقية، وصعد البلاديوم بنسبة 0.1% إلى 1,801.87 دولار.


