في خطوة تعكس خطورة الموقف الراهن في منطقة البحر الكاريبي وأمريكا اللاتينية، عقدت لجنة الدفاع الوطني في كوبا اجتماعاً طارئاً وحاسماً لتقييم جاهزية البلاد للحرب. يأتي هذا التحرك العسكري والسياسي المكثف وفقاً لما نقله الإعلام الرسمي الكوبي، استجابةً للتصعيد غير المسبوق في التوتر مع الولايات المتحدة الأمريكية، وتحديداً في أعقاب التطورات الدراماتيكية التي شهدتها فنزويلا والمتمثلة في إطاحة القوات الأمريكية بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
اجتماع استثنائي لمواجهة التهديدات
تتولى لجنة الدفاع الوطني، وهي أعلى هيئة عسكرية وأمنية في البلاد، إدارة شؤون الدولة بشكل كامل في حالات الطوارئ القصوى مثل نشوب الحروب أو وقوع الكوارث الطبيعية الكبرى. وقد جاء اجتماع اللجنة يوم السبت الماضي بهدف معلن وهو "رفع مستوى الجاهزية القتالية وتعزيز تماسك الهيئات القيادية وطواقمها"، بحسب البيان الرسمي.
وأوضح البيان أن الاجتماع ركز بشكل أساسي على "تحليل وإقرار الخطط والتدابير اللازمة للتحول السريع إلى حالة الحرب" في حال اندلاع نزاع مسلح مباشر مع دولة أخرى. ويُعد هذا الاجتماع هو الأول من نوعه الذي تلتئم فيه اللجنة تحت قيادة الرئيس ميغيل دياز-كانيل منذ تنفيذ الولايات المتحدة لعمليتها العسكرية في فنزويلا، مما يشير إلى أن هافانا تأخذ التهديدات الأمريكية على محمل الجد وتستعد لسيناريوهات قاتمة.
خلفية الصراع وتأثير سقوط مادورو
لا يمكن فصل التحركات الكوبية الحالية عن السياق التاريخي والجيوسياسي للعلاقة مع فنزويلا. فلطالما شكلت فنزويلا، خاصة في عهد هوغو تشافيز ومن بعده نيكولاس مادورو، الحليف الاستراتيجي الأول لكوبا في المنطقة، وشريان الحياة الاقتصادي لها من خلال إمدادات النفط المدعومة.
ويواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سياسة "الضغوط القصوى" على كوبا، التي تعتبر واحدة من آخر معاقل الحكم اليساري في نصف الكرة الغربي. وقد تفاقم الوضع بعد العملية التي نفذتها قوات خاصة أمريكية وأسفرت عن اعتقال مادورو وزوجته سيليا فلوريس، وهي العملية التي شهدت مقتل عشرات العناصر، بينهم 32 جندياً كوبياً كانوا ضمن طاقم الحماية الخاص بالرئيس الفنزويلي، مما اعتبرته هافانا استهدافاً مباشراً لقواتها.
تداعيات اقتصادية وسياسية
إلى جانب الشق العسكري، يلقي هذا الصراع بظلاله القاتمة على الاقتصاد الكوبي المنهك أصلاً. فقد أعلن الرئيس الأمريكي وقف شحنات النفط والمساعدات إلى الجزيرة بعد سيطرته على مقدرات النفط الفنزويلي. وتعتبر هذه الخطوة ضربة قاصمة للاقتصاد الكوبي، حيث كانت فنزويلا المورد الرئيسي للنفط إلى كوبا منذ عام 2000 بموجب اتفاقيات تعاون شاملة.
ومن المتوقع أن يؤدي انقطاع النفط الفنزويلي إلى أزمة طاقة حادة في كوبا، قد تعيد للأذهان "الفترة الخاصة" الصعبة التي عاشتها البلاد عقب انهيار الاتحاد السوفيتي في التسعينيات، مما يزيد من الضغوط الداخلية على الحكومة الكوبية.
بين التصعيد والدبلوماسية
رغم قرع طبول الحرب، أبقى الرئيس الكوبي الباب موارباً أمام الحلول الدبلوماسية. ففي خطاب ألقاه في هافانا، أكد دياز-كانيل استعداد بلاده للدخول في حوار مع الولايات المتحدة، مشدداً في الوقت ذاته على رفض تقديم "أي تنازلات سياسية" تمس السيادة الوطنية.
وقال الرئيس الكوبي: "سنظل منفتحين على الحوار وتحسين العلاقات بين البلدين، ولكن على قدم المساواة وعلى أساس الاحترام المتبادل". ونفى في الوقت ذاته صحة التصريحات التي أدلى بها ترامب حول وجود محادثات سرية جارية حالياً بين الطرفين، مؤكداً أن الموقف الكوبي واضح ومعلن.


