حققت حلقات العلم في المسجد النبوي الشريف إنجازاً علمياً وشرعياً بارزاً، حيث سجلت أعلى الأسانيد المتصلة إلى النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- في تعليم القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة. ويأتي هذا الإنجاز ليعكس المكانة الروحية والعلمية العظيمة التي يتمتع بها المسجد النبوي كمنارة للإشعاع الحضاري والمعرفي عبر التاريخ، وليؤكد استمرار دوره الريادي في حفظ التراث الإسلامي ونقله للأجيال القادمة وفق أدق معايير التوثيق العلمي.
وتعود جذور هذا الدور التعليمي إلى العهد النبوي الأول، حيث كان المسجد النبوي هو الجامعة الأولى في الإسلام، ومنه انطلقت جموع الصحابة -رضي الله عنهم- لنشر العلم في الآفاق. وتعتبر حلقات اليوم امتداداً تاريخياً لمجالس "أهل الصفة" وحلقات كبار القراء والمحدثين التي لم تنقطع عبر القرون، مما يضفي على هذه الأسانيد قيمة تاريخية ومعنوية لا تضاهى، حيث يتصل فيها الحاضر بالماضي في سلسلة ذهبية من العلماء والحفاظ.
وفي تفاصيل هذا الإنجاز، يُعد إسناد القرآن الكريم في حلقات المسجد النبوي اليوم من أعلى الأسانيد على وجه الأرض. وتتميز هذه السلسلة المباركة بقصر المسافة بين القارئ والنبي الكريم، حيث بلغ عدد الرجال في السلسلة بين المجيز (المعلم) والنبي -صلى الله عليه وسلم- (28) رجلاً فقط. وهذا العلو في الإسناد يُعد ميزة تنافسية كبرى يحرص عليها طلاب العلم من شتى بقاع العالم، لما فيها من القرب المعنوي والبركة في الاتصال بمصدر الوحي.
ولا يقتصر هذا التميز على القرآن الكريم فحسب، بل يمتد ليشمل السنة النبوية، حيث سجلت الحلقات علواً لافتاً في إسناد "صحيح البخاري"، إذ يبلغ عدد الرجال بين المجيز والنبي -صلى الله عليه وسلم- (25) رجلاً. ويؤكد هذا الرقم دقة المنهجية العلمية الصارمة التي تتبعها إدارة الحلقات في اختيار المعلمين والمقرئين، والحرص على تطبيق شروط الإجازة العلمية كما قررها علماء الحديث والقراءات.
وعلى الصعيد العالمي، أصبحت الإجازات الصادرة من المسجد النبوي بمثابة "جواز مرور" علمي يحظى بتقدير المؤسسات الأكاديمية والشرعية حول العالم. وقد ساهمت التقنية الحديثة في توسيع دائرة المستفيدين من هذا الخير، حيث أتاحت إدارة الحلقات والمتون العلمية برامج التعليم عن بُعد، مما مكن آلاف الطلاب من مختلف القارات من الالتحاق بهذه الحلقات والحصول على نصيبهم من هذا الإرث النبوي، وذلك عبر منصات رقمية متطورة تضمن جودة التعليم وسلامة التلقي.


