أعلنت حكومة غرينلاند، في موقف حازم وتصعيد دبلوماسي لافت، رفضها القاطع لأي مساعٍ أمريكية تهدف إلى الاستيلاء على أراضيها المترامية الأطراف، مؤكدة أن الجزيرة ليست للبيع وأن سيادتها غير قابلة للتفاوض. وجاء هذا الإعلان الرسمي يوم الاثنين رداً على تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث شددت الحكومة على أنها ستكثف جهودها لضمان أمنها ودفاعها ضمن إطار حلف شمال الأطلسي (الناتو)، مستندة إلى دعم دولي واسع.
وقالت الحكومة في بيان رسمي شديد اللهجة إن «الولايات المتحدة كرّرت سعيها للاستيلاء على غرينلاند، ولا يمكن للائتلاف الحكومي في غرينلاند أن يقبل هذا الأمر بأي شكل من الأشكال»، مشيرة إلى أن هوية الجزيرة ومستقبلها يحددهما شعبها فقط.
دعم أوروبي في مواجهة الطموح الأمريكي
لم تكن غرينلاند وحيدة في هذه المواجهة الدبلوماسية؛ ففي الأسبوع الماضي، تبلور موقف أوروبي موحد داعم للجزيرة وللدنمارك. حيث أعلنت ست دول أوروبية كبرى، هي فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا والمملكة المتحدة، في بيان مشترك، وقوفها الكامل إلى جانب غرينلاند في مواجهة الضغوط التي يمارسها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وأضافت الحكومة في بيانها أنه «في ضوء الموقف الإيجابي للغاية الذي عبّرت عنه الدول الست الأعضاء في حلف شمال الأطلسي تجاه غرينلاند، ستكثّف الحكومة جهودها لإدراج الدفاع عن غرينلاند بشكل أعمق ضمن إطار الناتو»، مما يعكس رغبة الجزيرة في تعزيز تحالفاتها التقليدية بدلاً من الخضوع لصفقات ثنائية قد تمس سيادتها.
الأهمية الاستراتيجية: لماذا يريد ترامب غرينلاند؟
لا يعتبر الاهتمام الأمريكي بغرينلاند وليد اللحظة أو مجرد صفقة عقارية عابرة، بل يعود لأسباب استراتيجية وجيوسياسية عميقة. تعد غرينلاند أكبر جزيرة في العالم، وتقع في موقع حيوي استراتيجي بين المحيطين المتجمد الشمالي والأطلسي. ومع تسارع ذوبان الجليد في القطب الشمالي، تزداد أهمية الجزيرة بسبب الموارد الطبيعية الهائلة غير المستغلة التي يعتقد أنها تحتويها، بما في ذلك المعادن الأرضية النادرة الضرورية للصناعات التكنولوجية الحديثة، والنفط، والغاز، بالإضافة إلى فتح ممرات ملاحية جديدة قد تغير خريطة التجارة العالمية وتنافس الممرات التقليدية.
خلفية تاريخية للأطماع الأمريكية
من الجدير بالذكر أن هذه ليست المرة الأولى التي تبدي فيها واشنطن رغبتها في السيطرة على الجزيرة. ففي عام 1946، عرض الرئيس الأمريكي هاري ترومان على الدنمارك مبلغ 100 مليون دولار من الذهب مقابل شراء الجزيرة، نظراً لأهميتها العسكرية في مواجهة الاتحاد السوفيتي آنذاك، لكن العرض قوبل بالرفض. وعلى الرغم من ذلك، تحتفظ الولايات المتحدة بوجود عسكري مهم هناك من خلال قاعدة “ثول” الجوية في أقصى الشمال، والتي تعد جزءاً أساسياً من نظام الإنذار المبكر الصاروخي الأمريكي ومراقبة الفضاء.
مستقبل العلاقات داخل الناتو
وشدّدت حكومة ينس-فريدريك نيلسن على أن لدى غرينلاند «نية دائمة لأن تكون جزءاً من الحلف الدفاعي الغربي». وتتمتع غرينلاند بحكم ذاتي واسع النطاق ضمن مملكة الدنمارك، وتدير شؤونها الداخلية بينما تبقى السياسة الخارجية والدفاعية مشتركة مع كوبنهاغن.
في المقابل، أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الأحد، أن الولايات المتحدة ستضم غرينلاند «بطريقة أو بأخرى»، كما أقرّ في وقت سابق بأنه قد يضطر للاختيار بين الحفاظ على وحدة حلف الناتو والسيطرة على غرينلاند، وهو ما يضع العلاقات عبر الأطلسي أمام اختبار جديد وحساس في ظل التنافس الدولي المتصاعد في منطقة القطب الشمالي.


