في خطوة استراتيجية تهدف إلى حوكمة القطاع غير الربحي وتعزيز مساهمته في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، أطلقت الهيئة العامة للأوقاف دليلاً إرشادياً مفصلاً يحدد الأركان الأساسية للوقف، ويضع أطراً تنظيمية حديثة تستوعب المتغيرات الاقتصادية المعاصرة.
سياق الرؤية وتطوير القطاع الوقفي
يأتي هذا الحراك التنظيمي متسقاً مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، التي تسعى لرفع مساهمة القطاع غير الربحي في الناتج المحلي الإجمالي إلى 5%، حيث يُعد الوقف الرافد المالي الأهم لاستدامة هذا القطاع. وتعمل الهيئة من خلال هذه التنظيمات على الانتقال بمفهوم الوقف من الممارسات التقليدية المقتصرة غالباً على العقار، إلى آفاق استثمارية أوسع تشمل الأدوات المالية الحديثة، مما يعزز من كفاءة الأصول الوقفية ويعظم أثرها الاجتماعي.
أركان الوقف الأربعة: ضمانة الشرعية والنظام
أكد الدليل الإرشادي الجديد أن الوقف لا ينعقد شرعاً ونظاماً إلا باكتمال أربعة أركان جوهرية، وهي:
- الواقف: وهو المنشئ للوقف، ويشترط فيه كمال الأهلية والملكية التامة للمال، وأن يكون مختاراً غير مكره.
- الموقوف عليه: وهي الجهة المستفيدة، سواء كانت محددة (كالذرية) أو جهة بر عامة (كالفقراء وطلاب العلم).
- الصيغة: وهي اللفظ أو الفعل الدال على إنشاء الوقف، وتعد حجر الزاوية في إثبات الوقفية.
- الموقوف (الأصل): المال المحبس، ويشترط فيه أن يكون معلوماً ومملوكاً وقابلاً للانتفاع به مع بقاء عينه.
نقلة نوعية: إجازة وقف النقود والأسهم
في تطور لافت يعكس مرونة الفقه الإسلامي ومواكبته للاقتصاد الحديث، أجاز الدليل بشكل صريح وقف النقود والأسهم والحصص في الشركات. ويفتح هذا التوجه الباب واسعاً أمام إنشاء صناديق وقفية استثمارية، حيث يتم استثمار النقود الموقوفة في محافظ آمنة، ويُصرف ريعها على المصارف المحددة، مما يحل مشكلة جمود الأصول العقارية وصعوبة تسييلها في بعض الأحيان.
الفرق بين الوقف والكيانات الأخرى
أوضح الدليل الفروقات الجوهرية بين الوقف والجمعيات الأهلية والشركات غير الربحية. فالوقف يتميز بخاصية “الديمومة” من خلال تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، بينما تركز الجمعيات والمؤسسات الأهلية على البرامج التنموية والاجتماعية تحت إشراف المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي. هذا التمايز التنظيمي يساعد المتبرعين والواقفين على اختيار القالب القانوني الأنسب لتحقيق أهدافهم الخيرية.
حماية الأوقاف وحوكمتها
تطرق الدليل إلى آليات حماية الأوقاف المجهولة، مؤكداً أن الوقف لا يسقط بالتقادم. وتتولى الهيئة العامة للأوقاف الولاية على الأوقاف التي انقطعت نظارتها أو جُهلت مصارفها، لضمان استمرار صرف ريعها في وجوه البر. كما شدد التنظيم على أهمية توثيق الأوقاف رسمياً لدى كتابة العدل وتسجيلها لدى الهيئة، لضمان الحماية القانونية للأصل الموقوف ومنع التعديات أو النزاعات المستقبلية بين الورثة أو النظار.
ويشكل هذا الدليل مرجعاً شاملاً للنظار والواقفين والقانونيين، حيث يغطي جوانب إدارة الوقف، واستثماره، والتصرف فيه، وآليات فض المنازعات، مما يؤسس لمرحلة جديدة من الشفافية والمؤسسية في إدارة الثروات الوقفية في المملكة.


