أفادت تقارير تقنية وحقوقية متطابقة، مساء السبت، باستمرار انقطاع خدمة الإنترنت في إيران على نطاق واسع، وذلك بالتزامن مع تواصل الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في عدة مدن إيرانية تنديداً بتردي الأوضاع المعيشية والاقتصادية. وأكدت منظمة “نتبلوكس” (NetBlocks) غير الحكومية، المعنية برصد الأمن السيبراني وحوكمة الإنترنت عالمياً، أن البيانات الشبكية تظهر تعطيلاً شبه كامل للاتصال بالعالم الخارجي بدأ منذ يوم الخميس الماضي.
رصد تقني للعزلة الرقمية
وذكرت المنظمة عبر حسابها الرسمي على منصة “إكس” (تويتر سابقاً)، أن القياسات الحية تظهر أن انقطاع الإنترنت على المستوى الوطني مستمر منذ أكثر من 48 ساعة، مما يترك ملايين المواطنين في حالة من العزلة الرقمية. ويأتي هذا الإجراء كخطوة متكررة تلجأ إليها السلطات الإيرانية عادةً في أوقات الاضطرابات المدنية للسيطرة على تدفق المعلومات ومنع تنظيم التظاهرات عبر منصات التواصل الاجتماعي.
سياق تاريخي لسياسة “الخنق الرقمي”
لا يعد هذا الإجراء جديداً على المشهد الإيراني؛ فقد دأبت طهران خلال السنوات الماضية على استخدام قطع الإنترنت كسلاح استراتيجي في مواجهة الاحتجاجات. ولعل أبرز الأمثلة على ذلك ما حدث في نوفمبر 2019، حينما قطعت السلطات الإنترنت لمدة أسبوع كامل تقريباً خلال الاحتجاجات على رفع أسعار الوقود، وهو ما تكرر بشكل مشابه خلال احتجاجات عام 2022 التي اندلعت عقب وفاة الشابة مهسا أميني. تهدف هذه الاستراتيجية، وفقاً لخبراء حقوقيين، إلى التعتيم على ما يجري من أحداث ميدانية ومنع توثيق أي انتهاكات محتملة قد ترتكبها قوات الأمن ضد المتظاهرين.
التداعيات الاقتصادية والاجتماعية
إلى جانب الأثر السياسي والحقوقي، يلقي انقطاع الإنترنت بظلاله القاتمة على الاقتصاد الإيراني المنهك أصلاً. يؤدي هذا الشلل الرقمي إلى تعطيل المعاملات المصرفية، وتوقف عمل الشركات الناشئة، وإعاقة التجارة الإلكترونية، مما يكبد الاقتصاد خسائر بملايين الدولارات يومياً. كما يؤثر الانقطاع بشكل مباشر على الحياة اليومية للمواطنين، حيث تتعطل خدمات النقل والتطبيقات الخدمية، ناهيك عن انقطاع التواصل بين العائلات في الداخل والخارج.
الموقف الدولي والحقوقي
تثير هذه الممارسات انتقادات دولية واسعة، حيث تعتبر الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان أن قطع الإنترنت يمثل انتهاكاً صارخاً لحق الأفراد في حرية التعبير والوصول إلى المعلومات. ومع استمرار الاحتجاجات الحالية التي يغذيها التضخم وارتفاع الأسعار، يبدو أن السلطات متمسكة بالحل الأمني والتقني لمحاصرة الغضب الشعبي، وسط مخاوف من استمرار هذا التعتيم لفترة أطول.


