شهدت أسواق المعادن النفيسة أسبوعاً استثنائياً اتسم بتقلبات حادة وتغيرات دراماتيكية في اتجاهات المستثمرين، حيث تأرجحت أسعار الذهب بين تسجيل مستويات قياسية غير مسبوقة مطلع الأسبوع، وبين موجات تراجع متتالية في نهايته. هذه التحركات السعرية العنيفة تعكس حالة عدم اليقين التي تسيطر على الاقتصاد العالمي وتأثر الأسواق المباشر بالأحداث الجيوسياسية الكبرى.
بداية قوية وقمم تاريخية
بدأ المعدن الأصفر تداولاته مطلع الأسبوع الماضي بزخم شرائي هائل، مدفوعاً بتدفقات نقدية نحو الأصول الآمنة. وبحلول يوم الإثنين، قفزت الأسعار إلى أعلى مستوياتها في أكثر من أسبوع، مقتربة من ذروة تاريخية جديدة. المحرك الرئيسي لهذا الصعود كان الاضطرابات الجيوسياسية المفاجئة الناجمة عن إعلان الولايات المتحدة اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وهو حدث ألقى بظلاله على استقرار المنطقة وأثار مخاوف الأسواق العالمية.
واستمر الصعود المتواصل حتى يوم الثلاثاء، حيث ارتفع سعر الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 2.3% ليصل إلى 4430.27 دولار للأوقية، بينما قفزت العقود الآجلة (تسليم فبراير) بنسبة 2.6% لتلامس 4443 دولاراً. ولم يتوقف الزخم هنا، بل واصلت الأسعار تحليقها لتسجل يوم الثلاثاء 4461.09 دولار للأوقية في المعاملات الفورية، محققة ارتفاعاً إضافياً بنسبة 0.3%، وسط ترقب لقرارات خفض أسعار الفائدة الأمريكية.
الذهب كملاذ آمن في أوقات الأزمات
تُظهر هذه الارتفاعات الأهمية الاستراتيجية للذهب كأصل استثماري ومخزن للقيمة عبر التاريخ. ففي أوقات التوترات السياسية والنزاعات الدولية، يميل المستثمرون إلى التخلي عن الأصول ذات المخاطر العالية مثل الأسهم والعملات المتقلبة، واللجوء إلى الذهب الذي يتمتع بثقة عالمية. هذا السلوك الاستثماري يُعرف بـ "الهروب إلى الجودة"، وهو ما يفسر القفزات السعرية الهائلة التي تزامنت مع أنباء التوتر في فنزويلا، حيث يُنظر للمعدن النفيس كبوليصة تأمين ضد الاضطرابات.
موجة جني الأرباح وعودة الدولار
على الرغم من البداية القوية، لم يتمكن الذهب من الحفاظ على مكاسبه طويلاً. فمع حلول يوم الأربعاء، بدأت موجة من عمليات "جني الأرباح"، حيث قام المستثمرون ببيع حيازاتهم للاستفادة من الأسعار المرتفعة، مما أدى إلى انخفاض السعر الفوري بنسبة 1% مسجلاً 4452.97 دولار للأوقية.
واختتم الأسبوع بمسار هبوطي واضح، حيث لعب انتعاش الدولار الأمريكي دوراً حاسماً في الضغط على أسعار المعادن. ومن المعروف اقتصادياً وجود علاقة عكسية بين الدولار والذهب؛ فحينما ترتفع قيمة العملة الأمريكية، تزداد تكلفة شراء الذهب على حائزي العملات الأخرى، مما يقلل الطلب ويدفع الأسعار للهبوط.
وفي ختام التعاملات، انخفض الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.7% ليستقر عند 4420.09 دولار للأوقية، كما تراجعت العقود الآجلة بنسبة 0.8% لتسجل 4427.70 دولار، لينهي المعدن النفيس أسبوعه متخلياً عن جزء من مكاسبه القياسية وسط ترقب حذر لمستقبل السياسات النقدية والأوضاع الجيوسياسية.


