في تطور جيوسياسي لافت يعكس تنامي التحالفات الاستراتيجية خارج النطاق الغربي، انضمت سفينة حربية روسية إلى مجموعة من السفن الصينية والإيرانية في المياه الإقليمية لجنوب إفريقيا. تأتي هذه التحركات ضمن إطار المناورات العسكرية المشتركة لمجموعة دول “بريكس بلاس”، والتي أطلق عليها اسم “ويل فور بيس” (إرادة السلام)، مما يثير حفيظة واشنطن مجدداً ويزيد من حدة التوترات الدبلوماسية مع بريتوريا.
ومن المقرر أن تستمر هذه التدريبات البحرية المكثفة حتى السادس عشر من يناير، في توقيت بالغ الحساسية يشهد فتوراً وتوترات شديدة في العلاقات بين الولايات المتحدة وجنوب إفريقيا. وقد صرح جيش جنوب إفريقيا بأن هذه المناورات ترتكز على “تدابير مشتركة تهدف بشكل أساسي إلى ضمان أمن النقل البحري” وتعزيز التنسيق العسكري بين الدول المشاركة.
سياق التوترات الدولية والنفي الرسمي
وفي سياق متصل بالأحداث العالمية المتسارعة، أكد ناطق باسم وزارة الدفاع الجنوب إفريقية بشكل قاطع أن هذه التدريبات “لا علاقة لها بتاتاً بالمستجدات الأخيرة في فنزويلا”. ويأتي هذا التصريح لنفي أي رابط بين المناورات وبين عمليات مصادرة السفن التي نفذتها واشنطن قبالة السواحل الفنزويلية، أو العملية العسكرية في كراكاس التي أفضت إلى تطورات دراماتيكية شملت القيادة الفنزويلية. وأوضح المتحدث أن “هذه التدريبات قيد التحضير منذ عام 2025، وقد تم إرجاؤها سابقاً بسبب تضارب الموعد مع قمة مجموعة العشرين” التي استضافتها جوهانسبرغ.
خلفية تاريخية: صعود تحالف بريكس العسكري
لا يمكن قراءة هذا الحدث بمعزل عن السياق التاريخي لتطور مجموعة “بريكس”. فمنذ انضمام جنوب إفريقيا إلى المجموعة في عام 2010، سعت الدول الأعضاء (روسيا، الصين، الهند، البرازيل، وجنوب إفريقيا) إلى خلق توازن استراتيجي مع القوى الغربية. ومع توسع المجموعة لتشمل قوى إقليمية مثل إيران والإمارات العربية المتحدة، بدأت التدريبات العسكرية المشتركة تأخذ طابعاً أكثر انتظاماً وجدية، متجاوزة التعاون الاقتصادي البحت إلى تنسيق أمني ودفاعي يهدف إلى حماية مصالح هذه الدول في الممرات المائية الحيوية.
الأهمية الاستراتيجية والرسائل السياسية
تحمل هذه المناورات دلالات استراتيجية عميقة تتجاوز مجرد التدريب العسكري؛ فجنوب إفريقيا بموقعها الجغرافي المتحكم في طريق رأس الرجاء الصالح، تمثل نقطة ارتكاز حيوية للتجارة العالمية ولحركة الأساطيل البحرية بين المحيطين الهندي والأطلسي. إن اجتماع قطع بحرية من الصين وروسيا وإيران في هذه المنطقة يرسل رسالة واضحة حول قدرة هذه القوى على العمل المشترك بعيداً عن حدودها الإقليمية، ويؤكد على سعيها لكسر الهيمنة الأحادية على البحار المفتوحة.
مشاركة دولية واسعة
وتقود الصين مناورات “إرادة السلام” الحالية، وسط مشاركة دولية متزايدة تعكس ثقل التكتل الجديد. فبالإضافة إلى القوى الثلاث الكبرى، أشار نائب وزير الدفاع في جنوب إفريقيا، بانتو هولوميسا، في تصريحات لقناة “نيوزروم أفريكا”، إلى أن دولة الإمارات العربية المتحدة سترسل سفناً للمشاركة في هذه التدريبات. كما ستشهد المناورات حضوراً بصفة مراقبين من دول أخرى أعضاء في “بريكس بلاس”، مثل إندونيسيا وإثيوبيا والبرازيل، مما يضفي طابعاً عالمياً على هذا الحدث العسكري.


