أعرب الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، عن أسفه العميق إزاء الإعلان الصادر عن البيت الأبيض بشأن قرار الولايات المتحدة الانسحاب من عدد من الأجهزة والوكالات التابعة للأمم المتحدة، في خطوة أثارت قلقاً دولياً واسعاً حول مستقبل العمل المتعدد الأطراف. ويأتي هذا الموقف في وقت يواجه فيه العالم تحديات جيوسياسية ومناخية غير مسبوقة تتطلب تكاتفاً دولياً بدلاً من الانعزال.
الالتزامات القانونية والمالية
وفي تعليق رسمي على القرار، شدد المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، على الطبيعة الإلزامية للمساهمات المالية للدول الأعضاء. وقال في بيان صحفي: "كما قلنا وأكدنا دومًا، فإن المساهمات المقررة في الميزانية الاعتيادية للأمم المتحدة وميزانية حفظ السلام -كما وافقت عليها الجمعية العامة- تعد التزامًا قانونيًا بموجب ميثاق الأمم المتحدة بالنسبة لجميع الدول الأعضاء بالمنظمة بما فيها الولايات المتحدة".
وتجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة تُعد تقليدياً أكبر مساهم مالي في ميزانية الأمم المتحدة، حيث تغطي نسبة كبيرة من ميزانية عمليات حفظ السلام والميزانية التشغيلية. وأي انسحاب أو وقف للتمويل لا يؤثر فقط على الجانب الإداري، بل يمتد تأثيره ليطال العمليات الإنسانية والإغاثية في مناطق النزاع حول العالم، مما يضع المنظومة الدولية أمام تحديات لوجستية ومالية معقدة.
استمرار المهام الأممية
ورغم هذا القرار، أكد المتحدث الرسمي أن جميع أجهزة الأمم المتحدة ستواصل تنفيذ ولاياتها التي منحتها إياها الدول الأعضاء، مشيرًا إلى تحمل المنظمة مسؤولية أخلاقية وقانونية تحتم عليها العمل من أجل جميع الشعوب التي تعتمد عليها في الغذاء والدواء والأمن، مؤكداً أنها ستواصل تنفيذ مهامها بكل عزم وإصرار لضمان عدم تأثر الفئات الأكثر ضعفاً بهذه التجاذبات السياسية.
تحذيرات من تداعيات اقتصادية ومناخية
على صعيد متصل، ركزت ردود الفعل الأممية على الشق المتعلق بالمناخ، حيث أكد الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة للمناخ، سايمون ستيل، أن الانسحاب من التعاون المناخي سيضر الاقتصاد الأمريكي بشكل مباشر قبل أي طرف آخر.
وقال ستيل في بيانه: "إن الولايات المتحدة قامت بدور أساسي وتاريخي في وضع اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ واتفاق باريس للمناخ، وذلك لأن هذه الاتفاقيات تصب بشكل كامل في مصالحها الوطنية الاستراتيجية". وأوضح أن الانعزال عن الجهود الدولية لمكافحة الاحتباس الحراري لن يحمي الاقتصاد الأمريكي، بل سيعرضه لمخاطر جمة.
تكلفة العزلة المناخية
وأشار المسؤول الأممي إلى أن انسحاب الولايات المتحدة من التعاون في مجال العمل المناخي سيؤدي إلى الإضرار باقتصادها وسوق العمل ومستويات المعيشة، إذ من المتوقع أن تتفاقم بشكل متسارع الكوارث الطبيعية مثل حرائق الغابات والفيضانات والعواصف الهائلة التي تضرب الولايات الأمريكية بانتظام.
وشدد على أن هذه الخطوة ستجعل الولايات المتحدة أقل أمانًا وازدهارًا، وستؤدي حتماً إلى ارتفاع تكاليف الطاقة والغذاء والنقل، فضلاً عن الارتفاع الجنوني في تكاليف التأمين للأسر والشركات الأمريكية نتيجة زيادة المخاطر البيئية. وأكدت الأمانة العامة للاتفاقية أن أبواب العودة ستظل مفتوحة أمام واشنطن، كما حدث سابقاً عند العودة لاتفاق باريس، لأن التحديات المناخية لا تعترف بالحدود السياسية وتتطلب استجابة عالمية موحدة.


