في خطوة تنظيمية مفصلية تهدف إلى حوكمة القطاع غير الربحي وتعزيز موثوقيته، أصدرت الهيئة العامة للأوقاف في المملكة العربية السعودية حزمة من القواعد التنظيمية الملزمة التي تستهدف تحديد هوية "المستفيد الحقيقي" من الأصول الوقفية. وتأتي هذه التحركات ضمن استراتيجية شاملة لرفع مستويات الشفافية المالية في القطاع الوقفي، وتحصينه ضد أي مخاطر محتملة تتعلق بغسل الأموال أو تمويل الإرهاب، بما يتماشى مع أعلى المعايير الدولية.
تعزيز الشفافية والامتثال للمعايير الدولية
اعتمد مجلس إدارة الهيئة هذه المعايير الجديدة لتحقيق الامتثال الكامل لمتطلبات مجموعة العمل المالي (FATF)، وتحديداً التوصيات المتعلقة بالشفافية والترتيبات القانونية. ويُعد هذا الإجراء جزءاً من التزام المملكة العربية السعودية بالاتفاقيات الدولية المتعلقة بنزاهة النظام المالي. وتعرف اللوائح الجديدة "المستفيد الحقيقي" بأنه أي شخص طبيعي يمتلك أو يمارس سيطرة فعلية ونهائية على الوقف، سواء كان ذلك الشخص هو الواقف نفسه، أو الناظر، أو أي طرف آخر يملك صلاحية اتخاذ القرارات النافذة، مما يغلق الباب أمام أي تعاملات مالية مجهولة المصدر أو الوجهة.
حصر الإدارة في المقيمين وتحديد المسؤوليات
من أبرز ما تضمنته القرارات الجديدة هو الحظر القاطع لإدارة الأوقاف السعودية من قبل أفراد غير سعوديين يقيمون إقامة دائمة خارج المملكة. واشترط التنظيم أن تكون النظارة محصورة في نظار مقيمين داخل المملكة العربية السعودية فقط. ويهدف هذا الشرط الجوهري إلى ضمان المتابعة الدقيقة، وتسهيل الرقابة الفعالة من قبل الجهات المختصة، وضمان خضوع القائمين على الأوقاف للأنظمة القضائية والإدارية المحلية بشكل مباشر وسريع عند الحاجة.
آليات الإفصاح والسجلات الدقيقة
ألزمت المعايير الجديدة نظار الأوقاف بإنشاء سجلات دقيقة ومحدثة تتضمن بيانات تفصيلية، تشمل:
- الاسم الرباعي والجنسية.
- تاريخ ومكان الميلاد وعنوان الإقامة.
- أرقام الهوية والبيانات المصرفية لتحويل ريع الوقف.
كما فرضت الهيئة تحديث هذه السجلات خلال مدة أقصاها 15 يوماً عند طرأ أي تغيير، مع ضرورة التحقق السنوي من دقة المعلومات. وفي حال كان المستفيد شخصاً اعتبارياً، يتوجب الإفصاح عن سلسلة الملكية وصولاً للشخص الطبيعي المسيطر.
السياق الاقتصادي وأهمية الحوكمة
تكتسب هذه الإجراءات أهمية خاصة في ظل رؤية المملكة 2030، التي تولي اهتماماً كبيراً بتنمية القطاع غير الربحي ورفع مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي. فحوكمة الأوقاف وضبط تدفقاتها المالية لا يحمي الاقتصاد الوطني فحسب، بل يعزز من ثقة الواقفين والمتبرعين، مما يشجع على استدامة العمل الخيري وتنميته. إن وجود بيئة تشريعية واضحة وشفافة يعد ركيزة أساسية لجذب المزيد من الأصول الوقفية وإدارتها بكفاءة استثمارية عالية.
المساءلة وحفظ السجلات
شددت الهيئة على ضرورة احتفاظ الناظر بكافة السجلات والبيانات المالية لمدة لا تقل عن عشر سنوات، وتسليمها للناظر الجديد فور انتهاء فترته. ويخضع المقصرون للمساءلة القانونية وفق جدول الجزاءات المعتمد، وذلك لضمان حماية الأصول الوقفية من الاستغلال غير المشروع، حيث تدخل هذه المعايير حيز التنفيذ المباشر فور نشرها.


