شهدت أسواق المعادن الثمينة العالمية، اليوم الثلاثاء، انتعاشة قوية وملحوظة، حيث عادت أسعار الذهب للارتفاع مجدداً عقب موجة من عمليات البيع الحادة التي طغت على التداولات السابقة بغرض جني الأرباح. هذا التعافي السريع وضع المعدن الأصفر على مسار تحقيق أقوى أداء سنوي له منذ أكثر من أربعة عقود، وتحديداً منذ عام 1979، مما يعكس جاذبية الذهب كملاذ آمن في ظل التحولات الاقتصادية العالمية الراهنة.
وفي تفاصيل التداولات، قفز سعر الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 1.3% ليصل إلى مستوى قياسي بلغ 4387.29 دولار للأوقية بحلول الساعة 11:27 بتوقيت جرينتش. وتزامنت هذه الحركة مع صعود مماثل في العقود الآجلة للذهب في الولايات المتحدة، التي ارتفعت هي الأخرى بنسبة 1.3% لتسجل 4,401.90 دولار. يأتي هذا الصعود في وقت تترقب فيه الأسواق المالية بحذر شديد صدور محضر اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) لشهر ديسمبر، والمقرر الكشف عنه في وقت لاحق اليوم.
تأثير السياسة النقدية والفيدرالي الأمريكي
تكتسب تحركات الذهب الحالية زخماً إضافياً من التوقعات المتزايدة بشأن تحول السياسة النقدية الأمريكية. حيث تشير التقديرات الاقتصادية إلى احتمالية إقدام الاحتياطي الفيدرالي على خفض أسعار الفائدة مرتين خلال العام المقبل. ومن المعروف اقتصادياً أن هناك علاقة عكسية بين أسعار الفائدة والذهب؛ فانخفاض الفائدة يقلل من تكلفة الفرصة البديلة لحيازة المعدن النفيس الذي لا يدر عائداً دورياً، مما يجعله أكثر جاذبية للمستثمرين مقارنة بالسندات وأدوات الدين الأخرى، ويضغط في الوقت نفسه على الدولار الأمريكي، مما يجعل الذهب أرخص لحائزي العملات الأخرى.
أداء المعادن الأخرى والتقلبات السعرية
لم يقتصر الصعود على الذهب فحسب، بل امتد ليشمل المعادن البيضاء؛ حيث ارتفع سعر الفضة بنسبة 3.5% ليصل إلى 74.78 دولاراً للأوقية. ورغم هذا الارتفاع الكبير، لا يزال السعر أقل من أعلى مستوى له على الإطلاق الذي سجله يوم أمس الإثنين عند 83.62 دولار، مما يشير إلى حالة من التذبذب العالي والنشاط المكثف للمضاربين في سوق الفضة. وفي سياق متصل، سجل البلاتين ارتفاعاً بنسبة 3.3% ليصل إلى 2177.55 دولار، بينما التقط البلاديوم أنفاسه ليرتفع بنسبة طفيفة بلغت 0.3% مسجلاً 1622.67 دولار، محاولاً التعافي بعد انخفاض حاد ومفاجئ بنسبة 16% في جلسة أمس.
الأهمية التاريخية والاقتصادية
إن مقارنة الأداء الحالي بعام 1979 تحمل دلالات اقتصادية عميقة. ففي تلك الحقبة، شهد العالم موجات تضخمية عالية واضطرابات جيوسياسية دفعت المستثمرين للهروب نحو الذهب. واليوم، ومع وصول الأسعار إلى هذه المستويات القياسية (فوق حاجز 4000 دولار)، يؤكد الذهب مجدداً دوره التاريخي كأداة للتحوط ضد تآكل القوة الشرائية للعملات الورقية، وكحصن للمحافظ الاستثمارية في أوقات عدم اليقين الاقتصادي، مما يعزز من مكانته في النظام المالي العالمي كأصل استراتيجي لا غنى عنه.


