في ظل حالة من الترقب وعدم اليقين التي تخيم على المشهد المالي الدولي، كشف مركز “إبسوس” (Ipsos) العريق لاستطلاعات الرأي عن نتائج دراسته العالمية الموسعة التي شملت آراء المواطنين في 30 دولة حول العالم، مسلطة الضوء على توقعات الجمهور للاقتصاد العالمي في عام 2026. وتأتي هذه النتائج لترسم صورة معقدة لمستقبل الاقتصاد، تمزج بين الحذر الشديد والآمال المعلقة.
شبح الركود الاقتصادي يلوح في الأفق
أظهرت البيانات أن ما يقرب من نصف المشاركين في الاستطلاع (بمتوسط 48% عالمياً) يرجحون أن تشهد بلدانهم ركوداً اقتصادياً خلال عام 2026. وتعكس هذه النسبة المرتفعة حالة القلق المستمر من التبعات طويلة الأمد للأزمات الاقتصادية المتتالية، بدءاً من تداعيات الجائحة وصولاً إلى التوترات الجيوسياسية الحالية التي تؤثر على سلاسل الإمداد وأسعار الطاقة. في المقابل، أبدى ثلث المشاركين (33%) تفاؤلاً نسبياً، معتبرين أن سيناريو الركود غير مرجح، مما يشير إلى انقسام واضح في الرأي العام العالمي حول متانة الاقتصادات الوطنية.
القدرة الشرائية وتحديات المعيشة
وفيما يتعلق بالدخل المتاح – وهو المؤشر الحقيقي لما يتبقى في جيوب الأفراد بعد سداد الالتزامات الأساسية – انقسمت الآراء بشكل حاد. يعتقد 47% من المشاركين أنهم سيتمتعون بفائض مالي أعلى في 2026 مقارنة بعام 2025، وهو ما يعكس آمالاً بزيادة الرواتب أو انخفاض معدلات التضخم. ومع ذلك، فإن نسبة مقاربة تبلغ 43% لا تتوقع أي تحسن في قدرتها الإنفاقية، مما يسلط الضوء على استمرار أزمة تكاليف المعيشة كهاجس رئيسي للأسر حول العالم.
أسواق المال ومخاوف الانهيار
لم تكن أسواق الأسهم بمنأى عن هذه النظرة التشاؤمية؛ حيث كشف الاستطلاع أن 38% من المشاركين (حوالي اثنين من كل خمسة) يتوقعون انهياراً في أسواق الأسهم الرئيسية خلال عام 2026. ورغم أن هذه النسبة قد تبدو مقلقة، إلا أنها تتقارب مع نتائج استطلاع سابق أجرته “إبسوس” في أواخر 2021، حيث توقع 35% آنذاك حدوث انهيار، مما يشير إلى أن القلق من تقلبات الأسواق المالية هو سمة ملازمة للمستثمرين والأفراد في أوقات عدم اليقين، بينما يرى 39% أن هذا الاحتمال مستبعد.
الذكاء الاصطناعي: بين التطور التكنولوجي والمخاوف الوظيفية
لعل الجانب الأكثر إثارة للجدل في الاستطلاع هو المتعلق بالتكنولوجيا الصاعدة. يتوقع ثلثا المشاركين (67%) أن يؤدي التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي إلى فقدان العديد من الوظائف في بلدانهم، مسجلة زيادة طفيفة عن العام الماضي (64%). يعكس هذا الرقم تصاعد المخاوف العالمية مما يُعرف بـ “الأتمتة” وتأثير الثورة الصناعية الرابعة على سوق العمل التقليدي.
وعلى الرغم من المخاوف، يرى 43% أن الذكاء الاصطناعي سيساهم في خلق وظائف جديدة، وهي نسبة ظلت ثابتة مقارنة بالعام الماضي. الجدير بالذكر أن القلق من فقدان الوظائف بسبب التكنولوجيا قد ازداد في 21 دولة من أصل 30 شملها الاستطلاع، مما يضع ضغوطاً إضافية على الحكومات وصناع القرار لتبني سياسات تعليمية وتدريبية تواكب هذا التحول الرقمي المتسارع.
دلالات النتائج وتأثيرها
تكتسب هذه النتائج أهمية قصوى كونها مؤشراً لـ “ثقة المستهلك”، وهو محرك أساسي للنمو الاقتصادي. فعندما يتوقع الأفراد ركوداً، يميلون لتقليص الإنفاق، مما قد يساهم فعلياً في تباطؤ العجلة الاقتصادية. لذا، فإن قراءة هذه التوقعات تساعد المؤسسات المالية والحكومات على صياغة استراتيجيات لطمأنة الأسواق وتحفيز النمو قبل حلول عام 2026.


