في تطور طبي لافت يبشر بتغيير جذري في خارطة الرعاية الصحية، كشف استشاري علاج الأورام بالأشعة، الدكتور هدير مصطفى مير، عن تحولات نوعية يشهدها القطاع الطبي على مستوى العالم، مؤكداً أن البشرية تقف على أعتاب مرحلة جديدة قد تنهي حقبة “الرعب” التاريخية المرتبطة بمرض السرطان، ليتحول من حكم نهائي بالموت إلى مرض مزمن يمكن التعايش معه لسنوات طويلة.
نهاية حقبة العلاجات التقليدية المنهكة
تاريخياً، ارتبط علاج السرطان في أذهان الملايين حول العالم بصورة نمطية مؤلمة تعتمد بشكل أساسي على العلاج الكيميائي والإشعاعي المكثف، وهي علاجات بقدر ما كانت ضرورية، إلا أنها كانت تسبب آثاراً جانبية منهكة تؤثر سلباً على جودة حياة المريض وتستهدف الخلايا السليمة والمصابة على حد سواء. وفي هذا السياق، أوضح الدكتور “مير” أن التقدم التقني والدوائي المتسارع بدأ فعلياً في طي هذه الصفحة، حيث لم تعد الخارطة العلاجية مقتصرة على هذه الخيارات التقليدية، بل توسعت لتشمل ترسانة من “الأسلحة الذكية” التي تتمثل في العلاج المناعي والجيني والموجّه.
دقة متناهية تحاكي “القنص” الطبي
وأشار الاستشاري السعودي إلى أن الجيل الجديد من العلاجات يمتاز بقدرة فائقة تشبه “القنص”، حيث تستهدف الخلايا السرطانية بدقة متناهية دون المساس بالأنسجة السليمة المحيطة بها، مما قلص المضاعفات الجانبية بشكل غير مسبوق ورفع من نسب الشفاء. هذا التحول الجذري يعني أن المريض بات بإمكانه ممارسة حياته اليومية والتعايش مع المرض بجودة حياة عالية، مشابهاً بذلك الأمراض المزمنة الأخرى كالسكري والضغط، بدلاً من البقاء أسير المستشفيات.
الطب الدقيق والذكاء الاصطناعي: قواعد جديدة للعبة
وفي سياق الحديث عن المستقبل، بشّر الدكتور هدير بقرب هيمنة عصر “الطب الدقيق” والعلاج الشخصي، وهي منهجية تعتمد على تصميم الخطة العلاجية وفقاً للبصمة الوراثية والجينية الخاصة بكل مريض على حدة. وقد أثبتت الدراسات السريرية نجاحاً باهراً لهذه المنهجية في علاج سرطانات معقدة مثل الثدي، الرئة، القولون، وأورام الدم، وحتى في الحالات التي كانت تصنف سابقاً ضمن الدائرة الميؤوس منها.
ولم يغفل الاستشاري دور التكنولوجيا الحديثة، لافتاً إلى أن الذكاء الاصطناعي دخل كلاعب محوري غيّر قواعد اللعبة تماماً. فمن خلال خوارزميات متطورة قادرة على تحليل صور الأشعة والأنسجة بسرعة ودقة تفوق القدرات البشرية، أصبح لدى الأطباء قدرة استباقية للتنبؤ باستجابة المريض واختيار البروتوكول العلاجي الأنجع، مؤكداً أن التقنية هنا جاءت لتعزز قرار الطبيب وتمنحه أدوات أدق للتشخيص والعلاج.
نظرة شمولية تتجاوز الورم
واختتم الدكتور حديثه بالتأكيد على أن التوجه العالمي الجديد تجاوز فكرة القضاء على الورم بيولوجياً فقط، ليشمل استراتيجية شاملة تركز على الإنسان ككل، من خلال الاهتمام بالحالة النفسية، التغذية العلاجية، وإدارة الألم. ووجه رسالة طمأنة للمجتمع بأن معركة السرطان لم تعد خاسرة، بل باتت قابلة للسيطرة والانتصار، شريطة الالتزام بالكشف المبكر الذي يظل حجر الزاوية في نجاح هذه العلاجات المتطورة.


