في خطوة نوعية تهدف إلى ربط الحاضر بالماضي العريق، وتزامناً مع جهود المملكة لإثراء تجربة ضيوف الرحمن، أعلنت وزارة الثقافة عن تفعيل المرحلة الأولى من "مسار الحج التاريخي" في منطقة جدة التاريخية (البلد). وقد استقبلت المنطقة بالفعل أفواجاً من الحجاج والزوار لخوض هذه التجربة الثقافية الفريدة التي تعيد رسم ملامح الرحلة القديمة التي كان يقطعها الحجاج عند وصولهم إلى أراضي المملكة.
جدة.. بوابة الحرمين عبر العصور
تكتسب هذه المبادرة أهميتها من المكانة الاستراتيجية والتاريخية لمدينة جدة، التي ظلت لقرون طويلة البوابة البحرية الرئيسية لمكة المكرمة. فمنذ عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان -رضي الله عنه- الذي اتخذها ميناءً لمكة، وجدة تستقبل قوافل الحجيج القادمين عبر البحر، حيث كانت منطقة "البلد" المسجلة حالياً ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، هي المحطة الأولى التي يلتقط فيها الحجاج أنفاسهم، ويتبادلون فيها الثقافات والبضائع قبل التوجه إلى المشاعر المقدسة.
تفاصيل رحلة المسار التاريخي
يُقدم "مسار الحج التاريخي" تجربة تفاعلية حية تبدأ من نقطة الوصول القديمة وتنتهي عند بوابة المغادرة نحو مكة. وتتضمن الرحلة المحطات التالية:
- الانطلاق من باب البنط: وهو أحد أهم بوابات سور جدة القديم، وكان يمثل الرصيف البحري الذي تطأه أقدام الحجاج عند نزولهم من السفن.
- متحف البحر الأحمر: الذي تم افتتاحه مؤخراً، ليقدم سرداً بصرياً وتاريخياً لعلاقة جدة بالبحر ورحلات الحج، معززاً بمعروضات تفاعلية تروي قصص الملاحة والتجارة.
- المساجد التاريخية: يمر المسار بمساجد لها عمق تاريخي كبير مثل مسجد عثمان بن عفان، ومسجد المعمار، ومسجد المغربي، ومسجد الشافعي، التي تمثل طرازاً معمارياً إسلامياً فريداً.
- البيوت التراثية والأسواق: تتخلل الرحلة زيارة معالم بارزة مثل "بيت نصيف" الذي نزل فيه الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- عند دخوله جدة، و"بيت نور ولي"، مروراً بـ "سوق العلوي" الذي كان يضج بحركة التجارة بين الحجاج وسكان المدينة.
- الختام عند باب مكة: تنتهي الجولة عند "باب مكة"، البوابة الشرقية التي كانت تخرج منها القوافل متجهة براً نحو العاصمة المقدسة.
الأبعاد الثقافية ومستهدفات الرؤية
لا يقتصر هذا المشروع على كونه مساراً سياحياً فحسب، بل يأتي كجزء لا يتجزأ من مستهدفات "رؤية المملكة 2030"، وتحديداً برنامج خدمة ضيوف الرحمن، الذي يسعى لإثراء التجربة الدينية والثقافية للحجاج والمعتمرين. ويهدف المسار إلى تعزيز الهوية الوطنية وإبراز التنوع الثقافي لجدة التاريخية، بالإضافة إلى تحويل التراث العمراني إلى مورد اقتصادي وسياحي مستدام، مما يمنح الزوار فهماً أعمق للقيم الإنسانية والحضارية التي احتضنتها هذه المنطقة عبر التاريخ.


