في خطوة استراتيجية تهدف إلى صون الذاكرة الوطنية، أعلنت وزارة الثقافة السعودية عن اختتام مشروع حصر وتوثيق وأرشفة التراث الثقافي غير المادي في محافظة الأحساء. وجاء هذا الإعلان تتويجاً لجهود مكثفة تضمنت ورش عمل متخصصة ومسوحات ميدانية شاملة، بحضور نخبة من أصحاب المصلحة، والخبراء، والممارسين المحليين، وممثلي الجهات ذات العلاقة.
الأحساء: عمق تاريخي وثقل حضاري
لا يأتي اختيار الأحساء كنموذج لهذا المشروع من فراغ؛ فالمحافظة تمتلك إرثاً حضارياً ضارباً في القدم، حيث تُعد أكبر واحة نخيل في العالم، ومسجلة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو كمشهد ثقافي متطور. كما أن الأحساء عضو في شبكة المدن المبدعة التابعة لليونسكو في مجال الحرف اليدوية والفنون الشعبية. هذا العمق التاريخي جعل منها بيئة خصبة لتنوع التراث غير المادي، بدءاً من فنون الفلاحة التقليدية المرتبطة بالنخيل والري، وصولاً إلى الحرف اليدوية الشهيرة كحياكة البشت الحساوي وصناعة الفخار، فضلاً عن الفنون الأدائية والأهازيج الشعبية التي تميز المنطقة.
تفاصيل المشروع ومنهجية التوثيق
تضمن المشروع مسحاً ميدانياً دقيقاً غطى مختلف مدن وقرى الأحساء، حيث عملت الفرق المختصة على رصد وتوثيق عناصر التراث الثقافي غير المادي وفق المعايير الدولية. وشملت عمليات التوثيق:
- التقاليد الشفهية وأشكال التعبير اللغوي.
- فنون الأداء التقليدية والممارسات الاجتماعية.
- الطقوس والاحتفالات والمناسبات الموسمية.
- المعارف والممارسات المتعلقة بالطبيعة والكون.
- المهارات المرتبطة بالفنون الحرفية التقليدية.
الأهمية الاستراتيجية والأثر المتوقع
يكتسب هذا المشروع أهمية بالغة تتجاوز البعد المحلي؛ إذ يُسهم توثيق هذا التراث في تعزيز الملفات السعودية المقدمة لمنظمة اليونسكو لتسجيل عناصر جديدة على قوائم التراث الثقافي غير المادي للبشرية. محلياً، يضمن المشروع نقل هذه المعارف والمهارات للأجيال القادمة، مما يحميها من الاندثار في ظل العولمة المتسارعة. واقتصادياً، يُشكل هذا التوثيق قاعدة بيانات أساسية يمكن استثمارها في قطاع السياحة الثقافية، مما يعزز من العوائد الاقتصادية للمنطقة ويدعم الحرفيين المحليين.
مواءمة مع رؤية المملكة 2030
يأتي هذا الحراك الثقافي متناغماً تماماً مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، التي تولي اهتماماً خاصاً بتعزيز الهوية الوطنية والاعتزاز بالإرث الثقافي السعودي. وتعمل وزارة الثقافة من خلال هذه المبادرات على رقمنة المحتوى الثقافي وإتاحته للباحثين والمهتمين حول العالم، مما يرسخ مكانة المملكة كوجهة ثقافية عالمية رائدة، ويؤكد التزامها بالاتفاقيات الدولية لصون التراث.


