شهدت الأسواق المالية العالمية، اليوم الأربعاء، تحولاً جذرياً في مسار المعادن الثمينة، حيث تجاوزت أسعار الذهب حاجز 4,500 دولار للأوقية للمرة الأولى في تاريخ التداولات، في سابقة تعكس حجم القلق الاقتصادي العالمي والبحث المحموم عن الملاذات الآمنة. ولم يكن الذهب وحيداً في هذا الصعود المدوّي، بل رافقته الفضة والبلاتين بتسجيل مستويات قياسية جديدة، مدفوعة بمزيج من التوقعات الاقتصادية والتوترات الجيوسياسية.
وفي تفاصيل التداولات، ارتفع سعر الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.2% ليلامس مستوى 4494.49 دولار للأوقية بحلول الساعة 12:20 بتوقيت جرينتش، بينما أظهرت العقود الآجلة للذهب في الولايات المتحدة (تسليم فبراير) تفاؤلاً أكبر بارتفاعها بنسبة 0.4% لتستقر عند 4523.10 دولار. ويأتي هذا الصعود الصاروخي ليعزز مكاسب المعدن الأصفر الذي قفز بأكثر من 70% منذ بداية العام الجاري، مسجلاً بذلك أكبر مكسب سنوي له منذ عام 1979، وهي الفترة التي شهدت اضطرابات اقتصادية عالمية مشابهة لما يشهده العالم اليوم.
ويعزو الخبراء والمحللون الاقتصاديون هذه الطفرة السعرية إلى عدة عوامل جوهرية، يأتي في مقدمتها تزايد التوقعات بإقدام مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (البنك المركزي) على سلسلة من تخفيضات أسعار الفائدة خلال العام المقبل. ومن المعروف اقتصادياً أن انخفاض أسعار الفائدة يقلل من تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الأصول التي لا تدر عائداً مثل الذهب، مما يجعله أكثر جاذبية للمستثمرين مقارنة بالسندات أو الودائع البنكية، كما أن ضعف الدولار الأمريكي الناتج عن خفض الفائدة يساهم عادة في رفع أسعار السلع المقومة به.
على صعيد آخر، لم تكن المعادن الصناعية والنفيسة الأخرى بعيدة عن هذا الزخم؛ فقد سجلت الفضة، التي تُلقب بـ “ذهب الفقراء”، أعلى مستوى لها على الإطلاق عند 72.70 دولار للأوقية، محققة ارتفاعاً بنسبة 1.3%. وتستفيد الفضة بشكل مزدوج من كونها ملاذاً استثمارياً ومن استخداماتها الصناعية الواسعة في قطاعات التكنولوجيا والطاقة النظيفة. أما البلاتين، فقد بلغ قمة قياسية جديدة عند 2377.50 دولار.
وفي سياق متصل، لفتت المعادن المستخدمة في صناعة السيارات، وتحديداً البلاتين والبلاديوم، الأنظار بتحقيقها قفزات هائلة، حيث ارتفعت بنحو 160% وأكثر من 100% على التوالي منذ مطلع العام. ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى المخاوف المتزايدة بشأن محدودية الإمدادات من المناجم الرئيسية حول العالم، بالإضافة إلى حالة عدم اليقين التجاري المتعلقة بالرسوم الجمركية، مما دفع المصنعين والمستثمرين إلى تكديس المخزونات تحسباً لأي نقص مستقبلي.
إن هذا الصعود الجماعي للمعادن الثمينة يشير بوضوح إلى تحول في شهية المخاطرة لدى المستثمرين، الذين باتوا يفضلون الأصول الملموسة في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة والضبابية التي تحيط بمستقبل النمو الاقتصادي العالمي، مما يجعل الذهب وأخواته الخيار الأمثل للتحوط ضد التضخم وتقلبات الأسواق.


