تشهد المملكة العربية السعودية حراكاً رياضياً غير مسبوق، حيث تحول الدوري السعودي للمحترفين (دوري روشن) إلى وجهة عالمية تجذب أبرز نجوم كرة القدم، وذلك ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي تولي القطاع الرياضي اهتماماً بالغاً. ورغم هذا التطور الهائل على مستوى الأندية والبنية التحتية، تبرز تساؤلات ملحة حول أداء المنتخب الوطني الأول، الذي يبدو وكأنه يسير في مسار لا يوازي سرعة تطور الدوري.
وفي هذا السياق، يطرح الكاتب والناقد الرياضي سعود الصرامي رؤية تحليلية عميقة لإشكالية المنتخب الأول، مؤكداً أن الأزمة ليست شاملة للكرة السعودية كما يصورها البعض. فالحقائق والأرقام تشير إلى أن المنتخبات السنية السعودية تواصل تحقيق نتائج إيجابية ومميزة على المستويين القاري والإقليمي، مما يدل على وجود المواهب والخامات الجيدة. كما أن الأندية السعودية باتت رقماً صعباً في المعادلات القارية والعالمية. إذن، أين يكمن الخلل؟
تشخيص الأزمة: الحماية المصطنعة والوفرة المالية
يرى الصرامي أن الحلول التقليدية التي تم استهلاكها على مدار سنوات طويلة، مثل تغيير الأجهزة الفنية والإدارية أو إعادة تشكيل مجالس إدارات اتحاد القدم، لم تنتج سوى "طفرات" مؤقتة لا ترقى لمستوى النجاح المستدام. ويشير التشخيص الدقيق إلى أن العلة تكمن في نظام الاحتراف الحالي الذي خلق ما يمكن تسميته بـ "الحماية المصطنعة" للاعب المحلي من خلال تقييد عدد اللاعبين الأجانب.
هذه الحماية ولّدت أماناً وظيفياً مبالغاً فيه وثراءً سريعاً لا يوازي العطاء الفني داخل المستطيل الأخضر. وقد أدى ذلك إلى تحول اللاعب من "رياضي مكافح" يسعى لإثبات ذاته، إلى "موظف مرفه" يفتقد لدافع التطوير. ويستشهد الكاتب بنماذج لمواهب شابة واعدة (مثل أحمد الغامدي، خالد الغنام، وتركي العمار) فضلوا البقاء على دكة البدلاء بعقود مجزية بدلاً من خوض تحديات اللعب الأساسي وتطوير المستوى، وهو ما يجسد مفهوم "المخاطر الأخلاقية" (Moral Hazard) في الاقتصاد، حيث يقل الجهد بضمان العائد المالي.
الحل المقترح: الصدمة التنافسية وفتح سقف الأجانب
استناداً إلى تجارب عالمية ودراسات في الاقتصاد الرياضي، يقترح الصرامي حلاً جذرياً يتمثل في إلغاء القيود على عدد اللاعبين الأجانب، لخلق "صدمة تنافسية" ضرورية لإنعاش الكرة السعودية. هذا الإجراء من شأنه تحقيق عدة مكاسب استراتيجية:
- تصحيح القيمة السوقية: ستعود رواتب اللاعبين المحليين إلى منطقها الاقتصادي والفني السليم، حيث لن تدفع الأندية مبالغ فلكية إلا لمن يثبت جدارته وتفوقه على اللاعب الأجنبي، مما يعيد الاعتبار لمعيار "الجودة" بدلاً من "الجنسية".
- استعادة روح القتال: سيجد اللاعب المحلي نفسه أمام خيار وحيد وهو العمل الجاد وتطوير قدراته البدنية والذهنية لانتزاع مكانه في التشكيلة الأساسية، مما يعيد "شغف الناشئين" المفقود.
- تعزيز الاحتراف الخارجي: عندما تشتد المنافسة محلياً وتصبح الرواتب واقعية، سيصبح الاحتراف في الدوريات الأوروبية والإقليمية خياراً جذاباً وضرورياً للاعب السعودي، مما سيعود بالنفع المباشر على المنتخب الوطني بوجود عناصر محترفة حقيقية معتادة على الضغوط العالية.
نحو مستقبل مستدام واستحقاقات عالمية
إن هذا الطرح لا يعني تهميش المواهب الوطنية، بل يمكن موازنته بفرض مشاركة عدد محدد من مخرجات الفئات السنية في قوائم الأندية لضمان استمرار التفريخ. وتكتسب هذه الرؤية أهمية مضاعفة مع استعداد المملكة لاستحقاقات كبرى، أبرزها استضافة كأس العالم 2034، حيث يتطلب هذا الحدث وجود منتخب وطني قوي قادر على مقارعة الكبار، وهو ما لن يتحقق إلا ببيئة احترافية حقيقية تفرز الأفضل والأقوى.


