في رد حاسم ومباشر على التصريحات المتكررة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أكد رئيس وزراء غرينلاند، ينس فريدريك نيلسن، يوم الثلاثاء، أن القرارات المصيرية المتعلقة بمستقبل الجزيرة لا تُتخذ إلا على أراضيها وبإرادة شعبها. جاء هذا التصريح القوي ليضع حداً للتكهنات التي أثارتها رغبة ترامب المتجددة في ضم الإقليم الدنماركي المتمتع بالحكم الذاتي إلى السيادة الأمريكية.
وكتب نيلسن في منشور مؤثر عبر حسابه على موقع فيسبوك: "غرينلاند بلدنا. قراراتنا تُتخذ هنا"، معرباً عن حزنه العميق واستهجانه للطريقة التي يتم بها تناول قضية بلاده في الخطاب السياسي الأمريكي. وأشار إلى أن اختزال هوية شعب كامل وتاريخه في مجرد "صفقة عقارية" أو "ضرورة أمنية" هو أمر لا يعكس حقيقة غرينلاند ولا نظرة سكانها لأنفسهم.
الخلفية التاريخية والأطماع الأمريكية
لا تعد رغبة الولايات المتحدة في السيطرة على غرينلاند وليدة اللحظة أو مرتبطة بإدارة ترامب فقط، بل تمتد جذورها إلى منتصف القرن العشرين. ففي عام 1946، عرض الرئيس الأمريكي هاري ترومان على الدنمارك شراء الجزيرة مقابل 100 مليون دولار من الذهب، نظراً لموقعها الاستراتيجي الحيوي في القطب الشمالي. وتجددت هذه الرغبة في عام 2019 خلال ولاية ترامب الأولى، مما تسبب حينها في أزمة دبلوماسية قصيرة وتأجيل زيارة رسمية للدنمارك بعد أن وصفت رئيسة الوزراء الدنماركية الفكرة بأنها "سخيفة".
الأهمية الاستراتيجية والجيوسياسية
تأتي تصريحات ترامب الأخيرة التي برر فيها حاجته لغرينلاند لضمان أمن بلاده في مواجهة الصين وروسيا، في وقت يشهد فيه القطب الشمالي تنافساً دولياً محموماً. وتتمتع غرينلاند بأهمية قصوى للأمن القومي الأمريكي لعدة أسباب:
- قاعدة ثول الجوية: تستضيف الجزيرة قاعدة "ثول" الجوية الأمريكية، وهي أقصى قاعدة عسكرية للولايات المتحدة في الشمال، وتلعب دوراً محورياً في نظام الإنذار المبكر بالصواريخ الباليستية ومراقبة الفضاء.
- الموارد الطبيعية: تحتوي الجزيرة على احتياطيات ضخمة من المعادن الأرضية النادرة الضرورية للصناعات التكنولوجية والعسكرية، وهو ما يضعها في قلب الصراع الاقتصادي مع الصين التي تهيمن على سوق هذه المعادن.
- الممرات الملاحية: مع ذوبان الجليد نتيجة التغير المناخي، تنفتح ممرات ملاحية جديدة في القطب الشمالي، مما يزيد من الأهمية الجيوسياسية للسيطرة على هذه المنطقة.
تضامن أوروبي واسع
وفي سياق ردود الفعل الدولية، أشاد نيلسن برد فعل شعب غرينلاند الذي وصفه بـ "الهادئ والراقي"، معرباً عن امتنانه للدعم الدولي الكبير الذي تلقته بلاده، قائلاً: "هذا الدعم يؤكد أننا لسنا وحدنا هنا على أرضنا". ومن جانبه، دخل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على خط الأزمة، مؤكداً دعمه الكامل للدنمارك وغرينلاند.
وكتب ماكرون عبر منصة "إكس" تغريدة تضامنية قال فيها: "أضم صوتي إلى أصوات الأوروبيين لأعرب عن تضامننا الكامل"، مشدداً على أن غرينلاند "ملك لشعبها" وأن الدنمارك هي الضامن لسيادتها، في إشارة واضحة إلى الرفض الأوروبي لأي محاولات أحادية لتغيير الوضع القائم في المنطقة القطبية.


