مع انقضاء ظاهرة الانقلاب الشتوي، التي تمثل فلكياً أقصر نهار وأطول ليل في العام، يتبادر إلى أذهان الكثيرين تساؤل منطقي حول سبب استمرار تأخر وقت الفجر وشروق الشمس، رغم أن النهار يبدأ علمياً في اكتساب دقائق إضافية. هذه الظاهرة التي قد تبدو متناقضة للوهلة الأولى، تحمل في طياتها تفسيرات فيزيائية وفلكية دقيقة كشف عنها الخبراء.
مفارقة الانقلاب الشتوي وتوقيت الشروق
أوضح المهندس ماجد أبو زاهرة، رئيس الجمعية الفلكية بجدة، أن الاعتقاد السائد بأن زيادة طول النهار تعني تقدماً فورياً في موعد شروق الشمس هو اعتقاد غير دقيق. ففي الواقع، تبدأ زيادة ساعات النهار بعد الانقلاب الشتوي من طرف اليوم الآخر، أي من خلال تأخر وقت غروب الشمس أولاً، بينما يظل موعد الشروق والفجر يتأخر لعدة أيام أو حتى أسابيع قبل أن يعود للتقدم تدريجيًا.
السر يكمن في “معادلة الزمن”
يعود السبب الفيزيائي الجوهري لهذه الظاهرة إلى عاملين رئيسيين يحكمان حركة الأرض:
- ميل محور الأرض: حيث يميل محور دوران الأرض بمقدار 23.5 درجة.
- مدار الأرض الإهليلجي: دوران الأرض حول الشمس لا يتم في دائرة كاملة الاستدارة، بل في مدار بيضاوي.
هذان العاملان يجتمعان لتشكيل ما يعرف فلكياً بـ “معادلة الزمن”، وهي التي تؤدي إلى تفاوت سرعة الحركة الظاهرية للشمس عبر قبة السماء، مما يجعل توقيت الساعة الشمسية يختلف قليلاً عن التوقيت الميكانيكي الثابت الذي نستخدمه في ساعاتنا اليومية.
السياق التاريخي والأهمية الفلكية
تاريخياً، كان الانقلاب الشتوي حدثاً محورياً في حياة الشعوب القديمة، حيث ارتبط بمواسم الزراعة والحصاد والطقوس الدينية. وقد لاحظت الحضارات القديمة، مثل البابليين والمصريين القدماء، هذه التحولات الدقيقة في مسار الشمس، وقاموا ببناء مراصد حجرية لتتبعها بدقة. يُعد فهم هذه الظاهرة اليوم امتداداً للمعرفة البشرية المتراكمة حول ميكانيكا السماوات، ويساعد في تحديد مواقيت الصلاة بدقة للمسلمين، وضبط التقويمات المدنية والزراعية.
تأثير الموقع الجغرافي والعوامل الجوية
أشار أبو زاهرة إلى أن تأثير هذه الظاهرة يتباين بوضوح حسب الموقع الجغرافي؛ فالمناطق القريبة من خط الاستواء تشهد تغييرات طفيفة، بينما يزداد التفاوت كلما اتجهنا نحو العروض العليا شمالاً أو جنوباً. كما شدد على ضرورة الفصل بين التوقيت الفلكي وبين العوامل الجوية؛ فالغيوم والضباب والانكسار الجوي قد تؤثر على رؤية الشمس، لكنها لا تغير من موعد شروقها الفعلي المحسوب فلكياً.
في الختام، ورغم أن الأيام الأولى بعد الانقلاب الشتوي قد لا تظهر تغيراً ملموساً للعين المجردة في موعد الفجر، إلا أن التوازن سيعود تدريجياً، وسيبدأ النهار في التمدد بوضوح من كلا طرفيه (الشروق والغروب) مع تقدم الموسم نحو الاعتدال الربيعي.


