في مشهد يعيد إحياء عبق التاريخ، انطلق اليوم احتفاء أهالي محافظة العُلا بفعالية “الطنطورة” في قلب البلدة القديمة، وهو التقليد السنوي الذي يمثل جسراً ثقافياً يربط الحاضر بماضي الأجداد العريق. وتُعد هذه الفعالية أكثر من مجرد احتفال عابر؛ فهي تجسيد لموروث ثقافي أصيل ارتبط ارتباطاً وثيقاً بتنظيم شؤون الحياة الزراعية وتحديد المواقيت الفلكية، وتحديداً الإعلان عن دخول “مربعانية الشتاء” التي تمتد لأربعين يوماً من البرد القارس.
الطنطورة: ساعة شمسية وهندسة فلكية دقيقة
تكتسب “الطنطورة” أهميتها التاريخية من كونها ساعة شمسية (مزولة) هرمية الشكل، اعتمد عليها سكان العُلا منذ مئات السنين كمرصد فلكي بدائي ولكنه دقيق للغاية. تقع الطنطورة في ساحة مخصصة بالبلدة القديمة، واستخدمها المزارعون لتحديد فصول السنة وتوزيع حصص مياه العيون الجوفية (نظام الري التقليدي) بين المزارع بدقة متناهية تعتمد على طول الظل واتجاهه. فعندما يصل ظل الطنطورة إلى علامة محددة على الأرض، يُعلن رسمياً عن الانقلاب الشتوي وبدء الموسم الزراعي الجديد، مما يعكس البراعة الهندسية والفلكية التي تمتع بها إنسان هذه المنطقة في تطويع الطبيعة لخدمة الحياة اليومية.
أجواء تراثية وتفاعل مجتمعي
شهدت الفعالية حضوراً لافتاً من الأهالي والزوار والسياح الأجانب، وسط أجواء استحضرت ذاكرة المكان العتيق. وتضمن الاحتفاء حزمة من الأنشطة الثقافية التي شملت عروضاً للفنون الشعبية، وتجارب حية للحرف اليدوية التقليدية، بالإضافة إلى فقرات تعريفية قدمها كبار السن حول آلية عمل الطنطورة وقصصها المتوارثة. وتهدف هذه الأنشطة إلى تسليط الضوء على القيمة التاريخية لهذا المعلم ودوره المحوري في توثيق العلاقة بين الإنسان وبيئته الزراعية القاسية التي حولها الأجداد إلى واحة غناء.
الأهمية الثقافية والسياحية للحدث
لا يقتصر الاحتفاء بالطنطورة على الجانب الفلكي أو الزراعي فحسب، بل يمتد ليشكل ركيزة أساسية في الهوية الثقافية للمملكة العربية السعودية. وتأتي هذه الفعالية متناغمة مع جهود الهيئة الملكية لمحافظة العُلا في الحفاظ على التراث المادي وغير المادي، وتعزيز مكانة العُلا كوجهة سياحية عالمية مفتوحة. ويُعد مهرجان “شتاء الطنطورة” الشهير امتداداً عصرياً لهذا التقليد، حيث يساهم في جذب الأنظار العالمية نحو المنطقة، مما ينعكس إيجاباً على الاقتصاد المحلي ويخلق فرصاً استثمارية واعدة لأبناء المنطقة، مع الحفاظ على أصالة الموروث وتقديمه للعالم بصورة حضارية تليق بمكانة المملكة التاريخية.


