شهد الاقتصاد البريطاني تباطؤاً ملموساً خلال الربع الثالث من العام الجاري، حيث ألقت الضغوط المالية بظلالها على الوضع المعيشي للمواطنين، مما أدى إلى تراجع مدخرات الأسر بشكل ملحوظ تحت وطأة الزيادات الضريبية المستمرة وارتفاع تكاليف المعيشة.
أرقام تعكس واقعاً اقتصادياً صعباً
كشفت البيانات الصادرة عن مكتب الإحصاءات الوطنية في المملكة المتحدة أن الناتج المحلي الإجمالي حقق نمواً طفيفاً بنسبة (0.1%) فقط، وهو ما يمثل تراجعاً واضحاً في الزخم الاقتصادي مقارنة بالأداء القوي الذي شهده الربع الثاني. ويشير هذا التباطؤ إلى هشاشة التعافي الاقتصادي في مواجهة التحديات الهيكلية والمالية التي تعصف بالبلاد.
وفي تفاصيل البيانات المالية للأسر، انخفض معدل الادخار بنسبة (0.7%) ليستقر عند (9.5%)، مسجلاً بذلك أدنى مستوى له منذ أكثر من عام. ويعزو الخبراء هذا الانخفاض إلى تآكل الدخل الحقيقي للأسر، حيث لم تواكب معدلات نمو الأجور وتيرة التضخم والزيادات الضريبية الجديدة، مما اضطر العائلات إلى السحب من مدخراتها لتغطية نفقاتها الأساسية.
السياسات المالية وتأثيرها المباشر
تأتي هذه التطورات في سياق تحولات كبيرة في السياسة المالية البريطانية، حيث أقرت وزيرة المالية ريتشل ريفز حزمة من الزيادات الضريبية في أول ميزانية لها لعام 2024. وقد استهدفت هذه الإجراءات تعزيز الإيرادات العامة، إلا أن العبء الأكبر وقع على كاهل أصحاب الأعمال وبعض فئات الدخل، مما أثر سلباً على السيولة المتاحة للاستثمار والادخار.
ورغم الضغوط، أظهرت البيانات ارتفاعاً في استهلاك الأسر بنسبة (0.3%) مقارنة بالربع السابق، وهي أسرع وتيرة زيادة فصلية خلال العام، مما يشير إلى أن المستهلكين يحاولون الحفاظ على مستويات معيشتهم رغم تراجع قدرتهم على الادخار.
السياق الدولي والمقارنات الاقتصادية
على الصعيد الدولي، كانت بريطانيا قد سجلت أداءً لافتاً في النصف الأول من عام 2025، حيث تصدرت معدلات النمو بين اقتصادات مجموعة الدول السبع الكبرى (G7) جنباً إلى جنب مع اليابان. ومع ذلك، سرعان ما فقد الاقتصاد زخمه، متأثراً بحالة عدم اليقين التي أحاطت بالسياسات المالية والترقب لميزانية ريفز الثانية التي أُعلن عنها في أواخر نوفمبر.
ويعكس هذا التذبذب حساسية الاقتصاد البريطاني للمتغيرات الداخلية والخارجية، خاصة في ظل بيئة اقتصادية عالمية تتسم بالتقلب. وتعد معدلات الادخار مؤشراً حيوياً على ثقة المستهلكين واستقرارهم المالي المستقبلي، حيث يؤدي انخفاضها عادة إلى تقليل قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات المستقبلية.
نظرة مستقبلية حذرة
وفيما يتعلق بالتوقعات المستقبلية، رسم بنك إنجلترا صورة قاتمة للربع الأخير من العام الجاري، متوقعاً عدم تحقيق أي نمو في الناتج المحلي الإجمالي. وتأتي هذه التوقعات لتعزز المخاوف من دخول الاقتصاد في مرحلة من الركود أو النمو الصفري، مما يضع صانعي السياسات أمام تحديات صعبة للموازنة بين السيطرة على التضخم وتحفيز النمو الاقتصادي دون إثقال كاهل المواطنين بمزيد من الأعباء الضريبية.


