دائماً ما تكون الكتابة في لحظات الانتصار محفوفة بمشاعر النشوة والفرح العارم، حيث تغيب لغة العقل لصالح العاطفة. ولكن، يختلف المشهد تماماً عند الإخفاق؛ إذ تسيطر حالة من التشنج، ويصبح النقد واللوم هما السلاح المشرع في وجه الجميع بلا استثناء. ومن هنا، تأتي أهمية التريث وتأجيل الكتابة حتى تهدأ النفوس، لتكون القراءة الفنية أكثر عمقاً والنقد أكثر إنصافاً وملائمة للحدث.
تحليل أسباب الخسارة: هل خذل النجوم الأخضر؟
عند تشريح أسباب الإخفاق الأخير، وتحديداً في مواجهة المنتخب الأردني، تبرز عدة تساؤلات مشروعة. هل كان بالإمكان تقديم أداء أفضل؟ الإجابة قطعاً نعم. لقد ظهر المنتخب السعودي بصورة باهتة، حيث عانى خط الوسط من حالة غريبة من التوهان وفقدان التركيز، وهو ما انعكس سلباً على دقة التمرير التي كانت كارثية في أوقات حاسمة من المباراة.
في المباريات المغلقة تكتيكياً، والتي تتسم بالندية العالية، تكون التفاصيل الصغيرة هي الفيصل. يحتاج الفريق لاستغلال أنصاف الفرص والارتداد المثالي، إلا أن وسط المنتخب أخفق في استثمار عدة حالات كانت كفيلة بتغيير لون المباراة إلى الأخضر. وبدلاً من ذلك، أسفرت السيطرة السلبية والشرود الذهني لمدة خمس دقائق فقط عن استقبال هدف كان كافياً لإخراج المنتخب من بطولة كانت الجماهير تمني النفس بالظفر بها.
هيرفي رينارد: بين مطرقة الإقالة وسندان الاستقرار
مع كل إخفاق، تعود نغمة تصفية الحسابات للظهور، وتتعالى الأصوات المطالبة بإقالة المدرب الفرنسي هيرفي رينارد أو اعتزال بعض اللاعبين. هذه المطالبات غالباً ما تكون مدفوعة بميول أندية وليست مبنية على نقد فني هادف. والسؤال الجوهري هنا: هل رينارد هو الرجل المناسب للمرحلة الحالية؟
الإجابة تحمل شقين؛ نعم، لأنه المدرب الأكثر دراية بإمكانيات اللاعبين وظروفهم الفنية والنفسية، وقد أثبت ذلك في محطات سابقة أبرزها التأهل لكأس العالم والأداء المشرف في بعض مبارياته. ولا، حينما يصر على بعض القناعات التكتيكية التي قد لا تناسب طبيعة المباراة. ومع ذلك، يظل خيار الاستقرار الفني هو الأرجح، فبقاء رينارد مع إجراء بعض التعديلات والرتوش الفنية أفضل بكثير من المغامرة بمدرب جديد لن يملك عصا سحرية لتغيير فنيات اللاعبين بين ليلة وضحاها.
مفارقة المنتخب الرديف والأساسي
من المفارقات العجيبة في تعاطي الشارع الرياضي، أنه عندما شارك الأخضر في عام 2021 بمنتخب رديف وخرج من الدور الأول، تعالت الأصوات بأننا أضعنا فرصة المنافسة. وعندما شاركنا هذه المرة بالمنتخب الأساسي (الذي يشكل 70% من قوام منتخب 2021)، عادت نفس الأصوات لتنتقد وتطالب بالمشاركة بالرديف. هذا التناقض يؤكد أن الأحكام الجماهيرية مبنية على النتائج فقط، متجاهلة أن كرة القدم لعبة تفاصيل، وأن الخسارة هي جزء أصيل من اللعبة.
الخلاصة: دعوة للتفاؤل والعمل
إن هذا الإخفاق الجديد، وإن كان مؤلماً وغير متوقع، يجب أن يكون درساً للجميع. العتب يبقى مرفوعاً لنجوم الأخضر الذين انتظرنا منهم جدية أكبر في اللحظات الحاسمة، ولكن الثقة بهم لا تزال قائمة. إننا كوسط رياضي مطالبون بالوقوف خلف المنتخب، فالدعوات لهم بالعودة المميزة هي العنوان الأبرز للمرحلة القادمة، على أمل أن يكون الموعد القادم مع منصات التتويج بدلاً من منصات النقد.


