لم تكن طريق النجم السنغالي ساديو ماني مفروشة بالورود، بل كانت محفوفة بالتحديات التي كادت أن تنهي مسيرته الكروية قبل أن تبدأ. فالمهاجم الفذ الذي أصبح اليوم أيقونة عالمية، واجه في طفولته معارضة شديدة من والده الراحل، الذي كان إماماً لمسجد القرية ويرى في كرة القدم مضيعة للوقت، مفضلاً أن يركز ابنه على الدراسات الدينية.
نقطة التحول: الألم الذي صنع الأمل
كشف ماني، البالغ من العمر 33 عاماً، في حديث مؤثر مع الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (كاف)، عن تفاصيل تلك المرحلة الحساسة. ورغم الاختلاف في وجهات النظر، أكد نجم النصر السعودي الحالي حبه العميق لوالده، مشيراً إلى أن وفاته وهو في السابعة من عمره شكلت صدمة زلزلت كيانه، لكنها في الوقت ذاته كانت الشرارة التي أوقدت عزيمته.
يقول ماني: “كان والدي فخوراً بي دائماً، ووفاته تركت أثراً عميقاً في نفسي. حينها أدركت أن عليّ تحمل المسؤولية ومساعدة والدتي، وهو حمل ثقيل على طفل صغير”. هذا الدافع حول ماني من مجرد موهبة في قرية “بامبالي” النائية إلى نجم عالمي يصول ويجول في ملاعب فرنسا والنمسا وإنجلترا وألمانيا، وصولاً إلى المملكة العربية السعودية.
مسيرة ذهبية في الملاعب الأوروبية
بدأت رحلة الاحتراف الحقيقية لماني مع ميتز الفرنسي وسالزبورغ النمساوي، لكن توهجه الأكبر كان في الدوري الإنجليزي الممتاز. انضم إلى ساوثهامبتون في 2014، حيث حفر اسمه في التاريخ بتسجيله أسرع هاتريك في تاريخ “البريميرليغ” خلال 176 ثانية فقط أمام أستون فيلا.
انتقاله إلى ليفربول شكل الحقبة الذهبية في مسيرته، حيث شكل مع النجم المصري محمد صلاح ثنائياً مرعباً أعاد “الريدز” لمنصات التتويج. حصد ماني كل الألقاب الممكنة: دوري أبطال أوروبا، الدوري الإنجليزي الممتاز بعد غياب 30 عاماً، كأس العالم للأندية، والسوبر الأوروبي، بالإضافة للكؤوس المحلية، قبل أن يخوض تجربة قصيرة مع بايرن ميونيخ الألماني وينتقل بعدها للدوري السعودي.
أسود التيرانغا: من انكسار القاهرة إلى مجد ياوندي
على الصعيد الدولي، يعتبر ساديو ماني البطل القومي الأول في السنغال. فبعد حسرة خسارة نهائي أمم إفريقيا 2019 في القاهرة أمام الجزائر بهدف مبكر، عاد ماني ليقود بلاده لتحقيق الحلم في نسخة 2021 بالكاميرون.
كان المشهد درامياً في ياوندي، حيث أضاع ماني ركلة جزاء في بداية المباراة النهائية أمام مصر، لكنه عاد بشخصية القائد ليسجل الركلة الحاسمة في الترجيحات، مانحاً السنغال لقبها القاري الأول في التاريخ، وماسحاً دموع جيل 2002 الذي خسر النهائي سابقاً.
تحديات المستقبل وجيل جديد
رغم الإخفاق في الحفاظ على اللقب في نسخة 2023 والخروج أمام ساحل العاج، تتجه الأنظار الآن إلى النسخة المقبلة في المغرب. وقعت السنغال في مجموعة تضم الكونغو الديمقراطية وبوتسوانا وبنين، وهي مواجهات تحمل ذكريات متباينة، أبرزها التفوق الأخير على الكونغو في تصفيات المونديال.
وفي ظل القيادة الفنية الجديدة للمدرب باب ثياو، خليفة أليو سيسيه، يمتلك المنتخب السنغالي ترسانة هجومية مرعبة. فبجانب خبرة ماني، يبرز نجوم مثل نيكولاس جاكسون (تشيلسي)، وإسماعيلا سار (كريستال بالاس)، والموهبة الصاعدة إبراهيم مباي (باريس سان جيرمان) الذي أصبح أصغر هداف في تاريخ المنتخب.
وقد وجه ماني إنذاراً شديد اللهجة للمنافسين بتسجيله “هاتريك” مؤخراً في مرمى كينيا، مؤكداً أن التقدم في العمر لم ينل من غريزته التهديفية، وأن “أسود التيرانغا” قادمون للمغرب وعينهم على استعادة العرش الإفريقي.


