شهدت العلاقات التجارية بين برلين وواشنطن تحولاً دراماتيكياً خلال الأرباع الثلاثة الأولى من عام 2025، حيث سجلت الصادرات الألمانية إلى الولايات المتحدة تراجعاً حاداً وغير مسبوق، مما يضع أكبر اقتصاد في أوروبا أمام تحديات وجودية. يأتي هذا التراجع كنتيجة مباشرة للسياسات الحمائية والرسوم الجمركية المشددة التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي استهدفت بشكل مباشر عصب الصناعة الألمانية.
انهيار في قطاع السيارات والهندسة
كشفت البيانات الاقتصادية الحديثة أن قطاع السيارات، الذي طالما كان فخر الصناعة الألمانية، هو الأكثر تضرراً من هذه الحرب التجارية. فقد انخفضت صادرات السيارات الألمانية إلى السوق الأمريكية بنسبة تقارب 14%، وهو انخفاض يعيد للأذهان شبح الأزمات الاقتصادية الكبرى. ولم تكن شركات الهندسة الميكانيكية بمنأى عن هذه العاصفة، حيث أظهرت دراسة اطلعت عليها “رويترز” انخفاض صادرات هذا القطاع الحيوي بنسبة 9.5% خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025.
وتعود هذه الخسائر الفادحة إلى هيكل الرسوم الجمركية الجديد، حيث تخضع معدات الصلب والألمونيوم الألمانية لتعريفة عقابية تصل إلى 50%، بينما تواجه السيارات رسوماً جمركية إضافية بنسبة 15%، تضاف إلى الرسوم الأصلية البالغة 2.5%، مما يقلص هامش التنافسية للمنتجات الألمانية في السوق الأمريكية.
نهاية حقبة النمو المستقر
على المستوى الكلي، انخفض إجمالي الصادرات الألمانية للولايات المتحدة بنسبة 7.8% على أساس سنوي. ولإدراك حجم هذه الانتكاسة، يجب النظر إلى السياق التاريخي؛ فقد تمتعت الصادرات الألمانية بمتوسط نمو سنوي يقارب 5% في الفترات المماثلة الممتدة من عام 2016 وحتى 2024. هذا التحول من النمو المستقر إلى الانكماش الحاد يشير إلى تغيير جذري في ديناميكيات التجارة عبر الأطلسي.
تداعيات اقتصادية واجتماعية خطيرة
لا تقتصر آثار هذا التراجع على الأرقام المالية فحسب، بل تمتد لتهدد الاستقرار الاجتماعي في ألمانيا. يخشى المراقبون الاقتصاديون من أن يخيم الركود الطويل على قطاع التصنيع، الذي يعد المحرك الرئيسي للنجاح الاقتصادي الألماني القائم على التصدير. وقد بدأت آثار هذا الركود تظهر فعلياً في سوق العمل، حيث فقد قطاع السيارات، الذي يوظف أكثر من 700 ألف شخص، ما يقرب من 55 ألف وظيفة خلال العامين الماضيين فقط.
السياق الدولي والمستقبل الضبابي
تكتسب هذه التطورات أهمية بالغة تتجاوز الحدود الألمانية؛ فألمانيا تعتبر قاطرة الاقتصاد الأوروبي، وأي تعثر في محركها الصناعي يلقي بظلاله القاتمة على منطقة اليورو بأكملها. إن السياسات الحمائية الأمريكية الحالية لا تعيد تشكيل العلاقات الثنائية فحسب، بل تهدد بإعادة رسم خريطة التجارة العالمية، دافعةً أوروبا للبحث عن أسواق بديلة أو تعزيز استقلاليتها الاقتصادية في مواجهة التقلبات الجيوسياسية المستمرة.


