تشهد المنطقة الحدودية بين كمبوديا وتايلاند أزمة إنسانية غير مسبوقة، حيث أعلنت السلطات في بنوم بنه عن نزوح أكثر من نصف مليون مواطن كمبودي من ديارهم، هرباً من ضراوة المعارك الحدودية المستمرة منذ أسبوعين. وتأتي هذه التطورات في ظل تصعيد عسكري خطير تضمن استخدام القصف المدفعي والغارات الجوية، مما حول القرى الحدودية إلى مناطق اشتباك مباشر.
ووفقاً لبيان صادر عن وزارة الداخلية الكمبودية، فإن العدد الإجمالي للنازحين بلغ حوالي 518,611 شخصاً، بينهم أعداد كبيرة من النساء والأطفال الذين اضطروا لترك مدارسهم ومنازلهم قسراً. وأشار البيان إلى أن السكان يفرون من كثافة النيران، بما في ذلك الصواريخ والغارات التي تشنها طائرات “إف-16” التايلاندية، مما يعكس حدة المواجهات العسكرية التي لم تشهدها المنطقة بهذه الكثافة منذ سنوات.
على الجانب الآخر من الحدود، لا يقل الوضع مأساوية، حيث أفادت السلطات التايلاندية بنزوح ما يناهز 400 ألف شخص. وصرح المتحدث باسم وزارة الدفاع التايلاندية، سوراسانت كونغسيري، بأن عمليات الإجلاء مستمرة، ورغم انخفاض أعداد المقيمين في الملاجئ المؤقتة، إلا أن هناك أكثر من 200 ألف نازح لا يزالون في مراكز الإيواء بانتظار استقرار الأوضاع الأمنية.
جذور النزاع وخلفياته التاريخية
لا يمكن فصل هذه الاشتباكات الحالية عن السياق التاريخي المعقد للعلاقات بين البلدين الجارين. تمتد الحدود المشتركة بين تايلاند وكمبوديا لمسافة تزيد عن 800 كيلومتر، وقد ظلت لعقود طويلة مسرحاً للتوترات المتقطعة. ويعد النزاع حول معبد “برياه فيهير” الهندوسي القديم، المسجل ضمن التراث العالمي لليونسكو، أحد أبرز نقاط الخلاف التاريخية. ورغم أن محكمة العدل الدولية حكمت بتبعية المعبد لكمبوديا في عام 1962، وأكدت ذلك في حكم لاحق عام 2013 بضرورة انسحاب القوات التايلاندية من محيطه، إلا أن المناطق المتاخمة للمعبد والحدود غير المرسمة بدقة تظل بؤرة ساخنة تتجدد فيها الاشتباكات بين الحين والآخر.
التداعيات الإقليمية والدولية
يثير هذا التصعيد العسكري مخاوف جدية على المستويين الإقليمي والدولي. فعلى الصعيد الإقليمي، يضع هذا النزاع رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، التي ينتمي إليها البلدان، في موقف حرج، حيث يهدد استقرار التكتل ويعيق جهود التكامل الاقتصادي والأمني في المنطقة. كما أن استمرار المعارك يؤدي إلى شلل تام في الحركة التجارية عبر المعابر الحدودية، مما يكبد اقتصادات المناطق الحدودية خسائر فادحة ويعطل سلاسل الإمداد المحلية.
دولياً، تتجه الأنظار بقلق نحو هذا النزاع خشية توسع رقعته، وعادة ما يستدعي استخدام الطيران الحربي والمدفعية الثقيلة تدخلات دبلوماسية عاجلة من القوى الكبرى والأمم المتحدة للدعوة إلى ضبط النفس والعودة إلى طاولة المفاوضات، لتجنب انزلاق المنطقة في حرب مفتوحة قد تكون لها تبعات كارثية على المدنيين والاستقرار في جنوب شرق آسيا.


