واصل المزارعون الفرنسيون تحركاتهم الاحتجاجية في جنوب غرب البلاد، ضاربين عرض الحائط بدعوات الحكومة الفرنسية للالتزام بـ “هدنة” خلال فترة أعياد الميلاد. وشهد يوم السبت استمراراً لإغلاق طرق حيوية واستراتيجية، في تصعيد يعكس عمق الفجوة بين النقابات الزراعية والسلطات الرسمية بشأن السياسات الصحية والاقتصادية المتبعة.
أزمة السياسات الصحية وتفشي الأوبئة
تأتي هذه الموجة الجديدة من الغضب على خلفية طريقة تعامل السلطات مع تفشي مرض “التهاب الجلد العقدي المعدي” الذي يصيب المواشي. وفي تصريح يعكس إصرار المحتجين، أكدت سارة ملكي، المتحدثة باسم اتحاد المزارعين في منطقة أفيرون، لوكالة فرانس برس أن التعبئة مستمرة. وقالت: “طالما لم يحدث تغيير جذري في السياسة الصحية، وطالما استمرت الحكومة في نهج الذبح المنهجي والكامل للقطيع بمجرد ظهور حالة إصابة واحدة في المزرعة، فلن نتوقف”. ويرى المزارعون أن هذه السياسة تدمر أرزاقهم وتقضي على سنوات من العمل الشاق دون تقديم بدائل أو تعويضات عادلة وسريعة.
شلل مروري في الجنوب الغربي
ميدانياً، قام اتحاد المزارعين المحسوب على التيار اليساري بنصب حواجز جديدة، مما أدى إلى شلل في حركة المرور على محاور رئيسية:
- الطريق السريع A75: الرابط بين كليرمون فيران ومونبلييه، حيث تم إغلاقه في الاتجاه الجنوبي قبل أن يعاد فتحه جزئياً بعد الظهر.
- الطريق السريع A64: الرابط بين تولوز وبايون، والذي ظل مغلقاً لمسافة تتجاوز 180 كيلومتراً، مما تسبب في تعطل كبير لحركة النقل.
- الطريق السريع A63: وهو شريان حيوي يربط بوردو بالحدود الإسبانية، حيث استمر الإغلاق بالقرب من منطقة سيستاس.
وبحسب بيانات وزارة الداخلية الفرنسية، تم تسجيل 50 عملية احتجاجية يوم السبت بمشاركة نحو 1619 شخصاً، وهو انخفاض طفيف مقارنة بيوم الجمعة الذي شهد 93 تحركاً بمشاركة 4000 شخص، إلا أن نوعية الاحتجاجات وتأثيرها على الطرق الرئيسية لا تزال مرتفعة.
سياق الأزمة: تراكمات الغضب الزراعي في أوروبا
لا يمكن فصل هذه الاحتجاجات عن السياق العام الذي تعيشه الزراعة الفرنسية والأوروبية منذ مطلع عام 2024. يعاني القطاع الزراعي في فرنسا، التي تعد أكبر منتج زراعي في الاتحاد الأوروبي، من ضغوطات متزايدة تشمل ارتفاع تكاليف الإنتاج (الطاقة والأسمدة)، والمنافسة الشرسة من المنتجات المستوردة من خارج الاتحاد الأوروبي والتي لا تخضع لنفس المعايير الصارمة، بالإضافة إلى البيروقراطية المعقدة.
وتشكل السياسات البيئية الأوروبية، المعروفة بـ “الصفقة الخضراء”، عبئاً إضافياً يرى المزارعون أنه يهدد استدامة مزارعهم الاقتصادية. وقد تحولت هذه القضايا المتراكمة إلى وقود لاحتجاجات دورية، حيث يرى المزارعون أن الحكومة لا تستجيب لمطالبهم الجوهرية بل تقدم حلولاً ترقيعية مؤقتة.
التداعيات الاقتصادية والسياسية
يحمل استمرار إغلاق الطرق، خاصة تلك المؤدية إلى إسبانيا (مثل A63)، تداعيات اقتصادية ملموسة، حيث يؤدي إلى تعطيل سلاسل التوريد وحركة الشحن البري بين دول جنوب أوروبا وفرنسا، خاصة في موسم الأعياد الذي يشهد ذروة في النشاط التجاري. سياسياً، يضع هذا التصعيد الحكومة الفرنسية في موقف حرج، حيث تسعى لتهدئة الجبهة الاجتماعية وتجنب مشاهد الفوضى، في وقت يحاول فيه المزارعون استغلال الزخم الإعلامي للضغط من أجل مراجعة شاملة لسياسات الذبح الوقائي والدعم المالي.


