حذر الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، بلهجة شديدة الوضوح، من مغبة أي تدخل عسكري تقوده الولايات المتحدة الأمريكية في فنزويلا، واصفاً هذه الخطوة المحتملة بأنها ستكون "كارثة إنسانية" لا تحمد عقباها. جاءت هذه التصريحات خلال افتتاح قمة السوق المشتركة لأميركا الجنوبية (ميركوسور) التي عقدت في مدينة فوز دو إيغواسو بجنوب البرازيل، حيث سلط الضوء على المخاطر الجيوسياسية المتصاعدة في المنطقة.
وقال لولا في كلمته أمام القادة المجتمعين: "بعد مرور أربعة عقود على حرب الملوين (فوكلاند)، باتت القارة الأميركية الجنوبية مهددة من جديد بوجود قوة عسكرية أجنبية". ويحمل هذا التشبيه دلالات تاريخية عميقة، حيث استدعى الرئيس البرازيلي ذكرى الصراع الدامي عام 1982 بين الأرجنتين والمملكة المتحدة، للتنبيه إلى حساسية دول أمريكا اللاتينية تجاه أي وجود عسكري خارجي، معتبراً أن تكرار مثل هذه السيناريوهات سيشكل "سابقة خطيرة بالنسبة إلى العالم" وليس فقط لنصف الكرة الجنوبي.
تصاعد التوتر بين واشنطن وكراكاس
تأتي تحذيرات لولا دا سيلفا في وقت تشهد فيه العلاقات بين الولايات المتحدة وفنزويلا توتراً غير مسبوق. فقد صرح الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في مقابلة مع شبكة "إن بي سي" بأنه لا يستبعد الخيار العسكري ضد نظام نيكولاس مادورو. وتتزامن هذه التهديدات مع تعزيز واشنطن لانتشارها العسكري في منطقة الكاريبي والمحيط الهادئ تحت غطاء مكافحة تهريب المخدرات، وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 104 أشخاص واستهداف زوارق مشتبه بها.
وفي سياق الضغط الاقتصادي، أعلن ترامب فرض "حظر كامل" على ناقلات النفط التي تخضع لعقوبات أمريكية، سواء كانت مغادرة من الموانئ الفنزويلية أو متجهة إليها، مما يزيد من خنق الاقتصاد الفنزويلي الذي يعاني أصلاً من تضخم مفرط وانهيار في البنية التحتية.
تداعيات إقليمية ودولية محتملة
يرى مراقبون أن أي عمل عسكري في فنزويلا لن تقتصر آثاره على الداخل الفنزويلي، بل سيمتد ليشعل أزمة لاجئين ضخمة تضرب دول الجوار، وتحديداً البرازيل وكولومبيا، اللتين تستضيفان بالفعل ملايين المهاجرين الفنزويليين الهاربين من الأوضاع الاقتصادية المتردية. إن تحويل الأزمة السياسية إلى صراع مسلح قد يؤدي إلى زعزعة استقرار منطقة أمريكا اللاتينية بأكملها، ويهدد خطوط إمداد الطاقة العالمية نظراً لما تمتلكه فنزويلا من احتياطيات نفطية هائلة.
البرازيل تعرض الوساطة الدبلوماسية
انطلاقاً من ثقل البرازيل الدبلوماسي في المنطقة، أبدى لولا دا سيلفا استعداده للعب دور الوسيط لضمان "حل سلمي" يجنب القارة ويلات الحرب. وأكد الرئيس البرازيلي على ضرورة فتح قنوات اتصال مباشرة، لافتاً إلى إمكانية تواصله مع نظيره الأمريكي لتهدئة الأوضاع. وتؤكد هذه المبادرة على عقيدة السياسة الخارجية البرازيلية التي تميل تقليدياً إلى الحلول الدبلوماسية واحترام سيادة الدول، ورفض الحلول العسكرية المستوردة التي غالباً ما تترك وراءها دماراً طويل الأمد.


