كشفت دارة الملك عبدالعزيز الستار عن مجموعة من الصور الأرشيفية النادرة التي توثق محطة مفصلية في تاريخ المملكة العربية السعودية، متمثلة في زيارة الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -رحمه الله- إلى ضواحي البصرة في العراق عام 1334هـ الموافق 1916م. وتعد هذه الوثائق البصرية شاهداً حياً على التحركات الدبلوماسية المبكرة للمؤسس في ظل ظروف إقليمية ودولية بالغة التعقيد.
السياق التاريخي: الحرب العالمية الأولى وتحولات المنطقة
لم تكن زيارة الملك عبدالعزيز للبصرة مجرد رحلة عابرة، بل جاءت في توقيت استراتيجي حساس تزامن مع أحداث الحرب العالمية الأولى (1914-1918). في تلك الفترة، كانت المنطقة تشهد صراعاً محتدماً بين القوى العظمى، وتحديداً بين الإمبراطورية العثمانية وبريطانيا. وقد هدفت الزيارة إلى تعزيز موقف الدولة السعودية الثالثة الناشئة، وتأكيد حضورها كلاعب رئيسي في معادلة الأمن والاستقرار في الجزيرة العربية، حيث التقى الملك عبدالعزيز خلالها بعدد من المسؤولين البريطانيين، وعلى رأسهم السير بيرسي كوكس، لمناقشة مستقبل العلاقات وترسيم الحدود وحماية المصالح المشتركة.
عدسة “خاتون الصحراء” توثق الحدث
الصور التي نشرتها الدارة التقطتها المستشرقة والكاتبة البريطانية الشهيرة جيرترود بيل، المعروفة بلقب “خاتون الصحراء”، والتي كانت تشغل منصب السكرتير الشرقي للمندوب السامي البريطاني. وتُظهر إحدى الصور الملك عبدالعزيز واقفاً بهيبة وشموخ وسط رجاله في صحراء البصرة، وهي لقطة تجسد الكاريزما القيادية التي تمتع بها المؤسس.
وقد وصفت بيل في مذكراتها الملك عبدالعزيز بإعجاب شديد، مشيرة إلى شخصيته القوية وحكمته السياسية، مما يعكس الانطباع العميق الذي تركه لدى القوى الدولية آنذاك.
الأبعاد السياسية والدبلوماسية للزيارة
تحمل هذه الزيارة دلالات عميقة تتجاوز البعد البروتوكولي؛ فقد كانت بمثابة إعلان عن خروج الدولة السعودية من النطاق المحلي الضيق إلى الفضاء الإقليمي والدولي الأوسع. خلال هذه الزيارة، اطلع الملك عبدالعزيز لأول مرة على التقنيات العسكرية الحديثة والتنظيمات الإدارية المتطورة، مما عزز رؤيته نحو تحديث الدولة وبناء مؤسساتها.
إن نشر دارة الملك عبدالعزيز لهذه الوثائق يأتي في إطار جهودها المستمرة لحفظ الذاكرة الوطنية، وتوثيق مسيرة التوحيد والبناء، مؤكدة أن الملك المؤسس لم يكن قائداً عسكرياً فحسب، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع يمتلك رؤية استشرافية ثاقبة لمستقبل المنطقة.


