في خطوة تعكس التحولات المستمرة في المشهد الاقتصادي لموسكو، أعلن البنك المركزي الروسي عن خفض معدل الفائدة الرئيسي بمقدار 50 نقطة أساس، ليتراجع من 16.5% إلى 16%. يأتي هذا القرار الذي تم اتخاذه يوم الجمعة، 19 ديسمبر 2025، كمحاولة لتحفيز الاقتصاد الذي يشهد تباطؤاً ملحوظاً في معدلات النمو، وسط استمرار تداعيات العمليات العسكرية في أوكرانيا وتأثير العقوبات الغربية المتراكمة.
تفاصيل القرار النقدي وتوقعات التضخم
أوضح البنك المركزي في بيانه الرسمي أن مجلس الإدارة قرر هذا الخفض في محاولة للموازنة بين ضرورة كبح التضخم والحاجة الماسة لدعم النشاط الاقتصادي. وأكد البنك التزامه بالحفاظ على شروط نقدية تتسم بالصرامة اللازمة لإعادة معدلات التضخم إلى المستهدف البالغ 4% سنوياً. وتجدر الإشارة إلى أن التضخم قد سجل 6.6% في شهر نوفمبر، مما يضع صانعي السياسة النقدية أمام تحديات معقدة.
ورغم المؤشرات التي تفيد بتباطؤ التضخم في الأشهر الأخيرة، إلا أن التوقعات الرسمية للبنك المركزي تشير إلى نمو متواضع للناتج المحلي الإجمالي يتراوح بين 0.5% و1% فقط لعام 2025، وهو ما يعكس الضغوط الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد.
السياق الاقتصادي والخلفية التاريخية
لفهم أبعاد هذا القرار، يجب النظر إلى الخلفية التاريخية منذ اندلاع النزاع في فبراير 2022. واجه الاقتصاد الروسي صدمات غير مسبوقة تمثلت في عزل قطاعه المصرفي عن نظام "سويفت"، وتجميد جزء كبير من احتياطيات البنك المركزي في الخارج، وفرض سقف سعري على صادرات الطاقة. في المراحل الأولى، اضطر المركزي الروسي لرفع الفائدة لمستويات قياسية (وصلت إلى 20% في بداية الأزمة) لحماية الروبل من الانهيار.
ومع مرور الوقت، تحول الاقتصاد الروسي بشكل متزايد نحو "اقتصاد الحرب"، حيث ساهم الإنفاق العسكري الضخم في تعزيز النمو بشكل مؤقت، وخلق طلباً كبيراً في قطاعات التصنيع والدفاع. إلا أن هذا النموذج الاقتصادي أدى إلى آثار جانبية، أبرزها نقص حاد في اليد العاملة المدنية، وارتفاع في الأجور لا يقابله زيادة في الإنتاجية، مما غذى الضغوط التضخمية وجعل تكلفة الاقتراض باهظة على القطاع الخاص.
تحديات الميزانية والسياسات المالية
لا يقتصر التحدي على السياسة النقدية فحسب، بل يمتد إلى السياسة المالية. فقد أشار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مؤتمره الصحفي السنوي إلى ضرورة بذل قصارى الجهد لضمان متانة الاقتصاد الكلي. وفي هذا السياق، يسعى الكرملين لسد عجز الميزانية الذي يقترب من 50 مليار دولار منذ بداية العام، وذلك من خلال إجراءات غير شعبية، أبرزها موافقة الرئيس بوتين على زيادة ضريبة القيمة المضافة من 20% إلى 22% ابتداءً من العام المقبل.
وتشير تقديرات وكالة الإحصاء الحكومية "روستات" إلى أن هدف التضخم البالغ 4% قد لا يتحقق فعلياً قبل عام 2027، مما يعني أن المواطنين والشركات الروسية قد يضطرون للتعايش مع بيئة اقتصادية تتسم بارتفاع الأسعار وتكلفة التمويل لفترة أطول مما كان متوقعاً، في ظل استمرار العزلة الاقتصادية عن الأسواق الغربية والتوجه نحو الشركاء في آسيا.


