تواصل محافظة العلا، جوهرة السياحة التراثية في المملكة العربية السعودية، إبهار العالم من خلال فعاليات “مهرجان شتاء طنطورة”، حيث تأتي فعالية “ليالي البلدة القديمة” لتشكل علامة فارقة في المشهد الثقافي للمنطقة. تقدم هذه الفعالية تجربة غنية تتجاوز المفهوم التقليدي للمهرجانات، لتأخذ الزوار في رحلة عبر الزمن تعكس أصالة الماضي وروعة الحاضر.
تجربة ثقافية وحسية متكاملة
تتميز “ليالي البلدة القديمة” بتقديم مزيج فريد يجمع بين العروض الأدائية الحية وسرد الحكايات الشعبية التي يتناقلها أهالي العلا جيلاً بعد جيل. ولا تقتصر التجربة على الجانب البصري والسمعي فحسب، بل تمتد لتشمل تجارب طعام راقية مستوحاة من المكونات المحلية، مما يتيح للزوار تذوق نكهات التاريخ في أجواء ساحرة. تتناغم هذه العناصر مع العمارة الطينية التقليدية للبلدة القديمة، حيث تلعب الإضاءة الفنية دوراً محورياً في إبراز جماليات المباني التاريخية، مشكلةً لوحة فنية تأسر الألباب.
البلدة القديمة: ذاكرة المكان والتاريخ
لا يمكن الحديث عن هذه الفعالية دون التطرق إلى الأهمية التاريخية لـ “البلدة القديمة” في العلا. تُعد هذه البلدة نموذجاً فريداً للعمارة الإسلامية وتخطيط المدن القديمة، حيث كانت لقرون ملتقى للقوافل التجارية والحجاج على طريق البخور وطريق الحج الشامي. تضم البلدة مئات المنازل الطينية المتلاصقة التي كانت تشكل حصناً منيعاً وسكناً لمجتمع مترابط. إعادة إحياء هذه المنطقة عبر فعاليات شتاء طنطورة ليس مجرد ترفيه، بل هو حفاظ على هوية معمارية وإنسانية كادت أن تندثر، وإعادة تقديمها للعالم كشاهد حي على حضارة الجزيرة العربية.
رمزية “الطنطورة” وأبعاد المهرجان
يستمد المهرجان اسمه من “الطنطورة”، وهي الساعة الشمسية الهرمية التي اعتمد عليها أهالي العلا قديماً لتحديد مواسم الزراعة وتوزيع مياه العيون. يمثل المهرجان احتفاءً ببدء موسم الزراعة الشتوي، وقد تحول اليوم إلى تظاهرة ثقافية عالمية. تهدف هذه الفعاليات إلى ربط الجيل الجديد بجذورهم، وتعريف الزوار الدوليين بالعمق الحضاري للمملكة، مما يعزز من مكانة العلا كوجهة سياحية عالمية تماشياً مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي تولي اهتماماً بالغاً بالتراث الوطني.
استدامة التراث وتنشيط السياحة
تستمر فعاليات المهرجان حتى 10 يناير 2026م، مقدمةً نموذجاً مثالياً للسياحة المستدامة التي تحترم المكان وسكانه. تساهم “ليالي البلدة القديمة” في إنعاش الاقتصاد المحلي من خلال إشراك الأهالي في تنظيم الفعاليات وتقديم المنتجات الحرفية، مما يرسخ مكانة البلدة القديمة كمركز ثقافي نابض بالحياة، وليس مجرد أطلال صامتة. إنها دعوة مفتوحة لعشاق التاريخ والفنون لزيارة العلا واكتشاف أسرارها التي لا تنتهي.


