أثار دخول المملكة العربية السعودية، ممثلة في الهيئة العامة للترفيه، كشريك إنتاجي في عدد من الأعمال السينمائية المصرية الكبرى مؤخراً، موجة واسعة من الجدل في الأوساط الثقافية. وفي هذا السياق، أكد الناقد الفني وائل العتيبي أن هذا الجدل يفتقر إلى الموضوعية والقراءة التاريخية المتأنية لمسيرة السينما المصرية العريقة، مشدداً على أن الإنتاج المشترك ليس بدعة مستحدثة، بل هو ركيزة أساسية قامت عليها الصناعة منذ بدايات القرن العشرين.
جذور الإنتاج المشترك في تاريخ السينما المصرية
أوضح العتيبي أن العودة إلى أرشيف السينما المصرية تكشف حقيقة دامغة، وهي أن تأسيس هذه الصناعة لم يكن جهداً محلياً منغلقاً، بل كان نتاج تلاقح ثقافي واستثماري واسع. فقد ساهم منتجون من جنسيات وأصول مختلفة في وضع اللبنات الأولى للفن السابع في مصر. ومن أبرز هؤلاء الرواد الأخوين «لاما» (بدر وإبراهيم لاما) من أصول فلسطينية تشيلية، والمنتجة الرائدة آسيا داغر (اللبنانية الأصل) التي أنتجة أيقونة السينما التاريخية «الناصر صلاح الدين»، وماري كويني، وغيرهم.
وأضاف أن هذا النهج استمر لعقود، حيث عرفت الساحة أسماء لامعة مثل المنتج الأرمني تاكفور أنطونيان، والمنتج الفلسطيني رياض العريان، واللبناني صادق الصباح. ولم يحدث يوماً أن تم التشكيك في وطنية الفنانين المصريين الذين تعاونوا معهم، أو اتهامهم بتنفيذ أجندات خارجية، مما يطرح تساؤلات حول دوافع الهجوم الحالي.
ازدواجية المعايير في النقد الفني
واستنكر العتيبي ما وصفه بـ «ازدواجية المعايير» لدى بعض الأصوات النقدية التي تعالت مؤخراً بتهم التخوين بمجرد ظهور اسم المملكة العربية السعودية كشريك إنتاجي. واستشهد في ذلك بتاريخ المخرج العالمي يوسف شاهين، الذي قدم عدداً من أهم أفلامه عبر شراكات إنتاجية فرنسية (مثل «وداعاً بونابرت» و«المصير»)، وهي أعمال ساهمت في وصول السينما المصرية للعالمية، ولم تُقابل بتهم التفريط في الهوية الوطنية.
كما تطرق العتيبي إلى الجدل المثار حول الأعمال التي تتناول سيرة «كوكب الشرق» أم كلثوم، مشيراً إلى أن فيلم «البحث عن أم كلثوم» للمخرجة الإيرانية شيرين نشأت، والذي قامت ببطولته ياسمين رئيس، كان إنتاجاً دولياً مشتركاً (ألمانيا، النمسا، إيطاليا، قطر)، ومر دون ضجيج التخوين الذي نراه اليوم.
البعد الاقتصادي وتكامل الرؤى
وفي سياق التوسع في تحليل المشهد، لا يمكن إغفال البعد الاقتصادي الهام لهذه الشراكات. فالسينما صناعة كثيفة رأس المال، والتعاون بين الشركات المصرية العريقة (مثل سينرجي وفيلم سكوير) وهيئة الترفيه السعودية، يأتي في إطار تكاملي يخدم السوقين. هذا التعاون يفتح آفاقاً أوسع للتوزيع، ويضمن جودة إنتاجية تليق بالمنافسة العالمية، وهو ما يتماشى مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 التي تولي اهتماماً كبيراً بقطاع الثقافة والفنون كرافد تنموي.
واختتم العتيبي حديثه بالتأكيد على أن العمل الفني يجب أن يُقيّم بناءً على جودته الإبداعية ورؤية صناعه، سواء كان الكاتب أحمد مراد أو المخرج مروان حامد، وليس بناءً على جنسية الجهة الممولة، متسائلاً: «لماذا يُثار هذا الغبار الآن حول تعاون هو في صميمه امتداد لتاريخ طويل من الأخوة والشراكة العربية؟».


