أسدلت محكمة الجنايات في دو (Doubs) الفرنسية الستار على واحدة من أكثر القضايا الطبية إثارة للجدل والرعب في تاريخ فرنسا الحديث، حيث أصدرت حكماً بـ السجن مدى الحياة على طبيب التخدير الفرنسي فريدريك بيشييه (Frédéric Péchier). وقد أدين الطبيب بتهمة تسميم 30 مريضاً عمداً أثناء خضوعهم لعمليات جراحية، مما أدى إلى وفاة 12 منهم، في سلسلة جرائم وصفها الادعاء العام بأنها من أفعال "أحد أكبر المجرمين في التاريخ".
تفاصيل الحكم والعقوبة المشددة
لم يكتفِ القضاء الفرنسي بعقوبة السجن المؤبد، بل أقر فترة أمنية إلزامية (فترة عدم أهلية للإفراج المشروط) مدتها 22 عاماً، وهو الحد الأقصى المتاح في القانون الفرنسي لمثل هذه القضايا. وقد أمرت القاضية دلفين تيبييرج بإيداع بيشييه السجن فوراً، منهية بذلك فترة بقائه طليقاً تحت الرقابة القضائية منذ بدء التحقيقات في عام 2017.
خلفية الجرائم: متلازمة "البطل المنقذ"
تعود وقائع هذه القضية المروعة إلى الفترة الممتدة بين عامي 2008 و2017 في مدنية بيزانسون (Besançon) شرق فرنسا. حيث كشفت التحقيقات أن بيشييه، البالغ من العمر 53 عاماً، قام بحقن مواد خطيرة (مثل البوتاسيوم ومخدرات موضعية) في أكياس المحاليل الوريدية الخاصة بمرضى زملائه في عيادتين خاصتين (مصحة سان فانسان ومصحة فرانش كونتي).
وأشارت التقارير النفسية والتحقيقات إلى دافع غريب وراء هذه الجرائم، يُعرف بمتلازمة "الإطفائي المشعل للحرائق". فقد كان الهدف من تسميم المرضى هو التسبب في سكتات قلبية مفاجئة، ليتم استدعاء بيشييه بصفته خبيراً للتدخل وإنقاذهم، مما يظهره بمظهر "البطل" أمام زملائه والمجتمع الطبي. وللأسف، لم تنجح محاولات الإنقاذ في جميع الحالات، مما أسفر عن وفاة 12 ضحية تراوحت أعمارهم بين 4 سنوات و89 عاماً.
المحاكمة والدفاع
خلال المحاكمة التي استمرت لأسابيع، تمسّك فريق الدفاع عن بيشييه ببراءته، مشيرين إلى غياب الأدلة المادية القاطعة مثل تسجيلات الفيديو أو بصمات الحمض النووي المباشرة أثناء عملية الحقن. وأعلن محاموه عزمهم استئناف الحكم الصادر. في المقابل، ركزت النيابة العامة على الأدلة الظرفية القوية، وتواجد بيشييه الدائم في أوقات الأزمات القلبية غير المبررة لمرضى لم يكن هو طبيبهم المباشر.
تأثير القضية على القطاع الطبي
أحدثت قضية فريدريك بيشييه صدمة عميقة في الأوساط الطبية الفرنسية والعالمية، حيث أثارت تساؤلات جدية حول إجراءات الرقابة داخل غرف العمليات وكيفية تأمين الأدوية والمحاليل الطبية. وتُعد هذه القضية تذكيراً مؤلماً بضرورة تشديد البروتوكولات الأمنية في المستشفيات لضمان سلامة المرضى، حيث اعتبرت هذه الحادثة خرقاً جسيماً للثقة المقدسة بين الطبيب والمريض.


