الأصول الروسية المجمدة: انقسام أوروبي ومخاوف من رد موسكو

الأصول الروسية المجمدة: انقسام أوروبي ومخاوف من رد موسكو

ديسمبر 18, 2025
9 mins read
يواجه الاتحاد الأوروبي انقساماً حول استخدام الأصول الروسية المجمدة لدعم أوكرانيا، وسط تهديدات موسكو برد قاسٍ ومخاوف على النظام المالي العالمي.

تتصاعد حدة التوتر الدبلوماسي والاقتصادي بين العواصم الأوروبية وموسكو، حيث أثارت تهديدات الكرملين بـ “الرد بقسوة” على أي إجراءات تمس الأصول الروسية المجمدة، حالة من القلق العميق داخل أروقة الاتحاد الأوروبي. هذا التوتر يأتي في وقت حساس يسعى فيه الغرب لإيجاد مصادر تمويل مستدامة لأوكرانيا، مما وضع التكتل الأوروبي أمام معضلة حقيقية بين الرغبة في دعم كييف والخوف من تداعيات مالية لا تحمد عقباها.

سياق الأزمة: من العقوبات إلى المصادرة

تعود جذور هذه الأزمة إلى فبراير 2022، عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، حيث سارعت دول مجموعة السبع والاتحاد الأوروبي إلى فرض حزم عقوبات غير مسبوقة، تضمنت تجميد نحو 300 مليار دولار من احتياطيات البنك المركزي الروسي الموجودة في الخارج. وتتركز الغالبية العظمى من هذه الأموال (حوالي 210 مليار يورو) داخل دول الاتحاد الأوروبي، وتحديداً في بلجيكا.

ومع طول أمد الحرب وحاجة أوكرانيا الماسة للسيولة، وافق الاتحاد الأوروبي مؤخراً على خطة لتحويل هذه الأصول المجمدة إلى ضمانات لقرض بقيمة 90 مليار يورو لكييف، وهو ما اعتبرته موسكو “سرقة” تستوجب أقسى درجات الرد.

انقسام أوروبي ومخاوف بلجيكية

تجلت أبرز مظاهر الانقسام بين القادة الأوروبيين في موقف بلجيكا، التي تجد نفسها في قلب العاصفة كونها تستضيف شركة إيداع الأوراق المالية العملاقة “يوروكلير”، التي تحوز معظم الأصول الروسية. ويرى رئيس الوزراء البلجيكي، بارت دي فيفر، أن بلاده قد تكون “كبش فداء” لأي انتقام روسي، مطالباً بضمانات مالية وقانونية “غير محدودة” من الشركاء الأوروبيين لحماية بروكسل من أي انهيار مالي محتمل أو دعاوى قضائية ضخمة، وهو مطلب قوبل بفتور من عواصم أخرى.

في المقابل، تقود ألمانيا المعسكر الداعي للمضي قدماً في الخطة، معتبرة أن استخدام الأصول الروسية هو الحل الأمثل لتجنب تحميل دافعي الضرائب الأوروبيين ديوناً إضافية لدعم أوكرانيا، مشددة على مبدأ “تضامن المخاطر” بين جميع دول التكتل.

تأثيرات اقتصادية ومخاطر على المصارف

لا تقتصر المخاوف على الجانب الحكومي فحسب، بل تمتد لتشمل القطاع المصرفي الأوروبي. فقد أعربت كل من إيطاليا والنمسا عن قلق بالغ، خاصة مع استمرار نشاط بنوك كبرى مثل “يوني كريديت” الإيطالي و”رايفايزن” النمساوي داخل روسيا. ويخشى هؤلاء من أن تقوم موسكو بمصادرة أصول هذه البنوك أو تجميد عملياتها كجزء من الرد الانتقامي.

ووفقاً لبيانات معهد كييف للاقتصاد، لا تزال الشركات الغربية تمتلك أصولاً بقيمة 127 مليار دولار داخل روسيا، مما يجعلها رهينة سهلة لأي تصعيد. وقد بدأت موسكو بالفعل في اتخاذ إجراءات عقابية، حيث جمدت أو صادرت أصولاً لـ 32 شركة غربية، مكبدة إياها خسائر تجاوزت 57 مليار دولار.

أوراق الضغط الروسية والمعركة القانونية

تمتلك روسيا أوراق ضغط قوية في هذه “الحرب المالية”، أبرزها الحسابات الخاصة من النوع “C” التي تحتجز فيها عوائد المستثمرين الغربيين المقدرة بمليارات الدولارات. ويمكن للكرملين تحويل هذه الأموال لتمويل العجز في الميزانية الروسية رداً على أي خطوة أوروبية.

وقد انتقلت المعركة بالفعل إلى ساحات القضاء، حيث أفادت وكالة “تاس” أن البنك المركزي الروسي رفع دعوى قضائية ضخمة يطالب فيها بمبلغ 229 مليار دولار (18.2 تريليون روبل) من شركة “يوروكلير”. ويحذر الخبراء من أن هذه الخطوات قد تؤدي إلى زعزعة الثقة في اليورو كعملة احتياط عالمية، وتدفع دولاً أخرى لسحب أصولها من أوروبا خوفاً من تسييس النظام المالي مستقبلاً.

أذهب إلىالأعلى