تتصاعد حدة النقاش بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين بشأن الآلية المثلى لاستخدام الأصول السيادية الروسية المجمدة لدعم المجهود الحربي وإعادة إعمار أوكرانيا. وفيما تضغط واشنطن بقوة نحو اتخاذ خطوات أكثر جرأة، تبدي عواصم أوروبية رئيسية حذراً بالغاً خشية التبعات القانونية والاقتصادية، وهو ما يعكس انقساماً استراتيجياً في وقت حاسم بالنسبة لكييف.
خلفية تجميد الأصول وسياق الخلاف
عقب الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في فبراير 2022، تحركت دول مجموعة السبع والاتحاد الأوروبي بشكل منسق لفرض حزم عقوبات غير مسبوقة على موسكو. كان من أبرز هذه الإجراءات تجميد أصول البنك المركزي الروسي الموجودة في نطاق ولايتها القضائية، والتي تقدر قيمتها الإجمالية بنحو 300 مليار دولار. ويتركز الجزء الأكبر من هذه الأصول، بما يقارب 210 مليارات يورو، داخل دول الاتحاد الأوروبي، وتحديداً في شركة “يوروكلير” للمقاصة في بلجيكا.
في البداية، كان النقاش يتركز حول استخدام الأرباح الاستثنائية (الفوائد) الناتجة عن هذه الأصول المجمدة، وهو خيار أقل تعقيداً من الناحية القانونية. لكن مع استمرار الحرب وتزايد احتياجات أوكرانيا المالية، بدأت الولايات المتحدة، مدعومة من بريطانيا وكندا، بالدعوة إلى مصادرة الأصول نفسها أو استخدامها كضمان لإصدار قروض ضخمة لكييف.
مواقف متباينة وتأثيرات متوقعة
أكد مسؤول أوكراني رفيع المستوى أن إدارة الرئيس جو بايدن تمارس ضغوطاً على الشركاء الأوروبيين للتخلي عن حذرهم وتبني خطة أكثر حسماً. وأضاف أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يعتزم طرح القضية مجدداً خلال اجتماعاته في بروكسل، لحث القادة الأوروبيين على التوصل إلى قرار موحد، مشيراً إلى أن هناك ما لا يقل عن سبع دول لا تزال مترددة في دعم هذه الخطوة الجريئة.
على الجانب الآخر، تبدي دول مثل ألمانيا وفرنسا، بالإضافة إلى البنك المركزي الأوروبي، قلقاً عميقاً. تتمحور مخاوفهم حول أن مصادرة الأصول السيادية سيشكل سابقة خطيرة في القانون الدولي قد تقوض الثقة في النظام المالي العالمي، وتحديداً في اليورو كعملة احتياطية. كما يخشى الأوروبيون من إجراءات انتقامية روسية قد تستهدف أصولهم واستثماراتهم في روسيا، فضلاً عن تحديات قانونية معقدة قد ترفعها موسكو أمام المحاكم الدولية.
أهمية القرار بالنسبة لمستقبل الصراع
يأتي هذا الجدل في وقت تواجه فيه أوكرانيا نقصاً حاداً في الذخيرة والتمويل، ومع تعثر حزم المساعدات في بعض الدول الحليفة. لذا، فإن الإفراج عن جزء من هذه الأموال الروسية يمثل شريان حياة محتملاً لكييف، ليس فقط لتمويل العمليات العسكرية، بل أيضاً للبدء في مشاريع إعادة الإعمار وتغطية العجز في الميزانية. إن القرار الذي سيتخذه قادة الاتحاد الأوروبي في قمتهم المقبلة لن يحدد فقط مسار الدعم المالي لأوكرانيا، بل سيرسم أيضاً ملامح جديدة في قواعد الاشتباك الاقتصادي العالمي وتوازن القوى بين الغرب وروسيا.


