عندما تم الإعلان عن تعيين المدرب الفرنسي هيرفي رينارد مديرًا فنيًا للمنتخب السعودي لكرة القدم في يوليو 2019، سادت حالة من التفاؤل الكبير في الأوساط الرياضية. جاء رينارد بسيرة ذاتية لامعة، أبرزها تحقيقه لقب كأس الأمم الأفريقية مع منتخبين مختلفين، زامبيا (2012) وساحل العاج (2015)، مما منحه لقب “مدرب البطولات”. كان الرهان عليه كبيرًا لإنهاء حالة عدم الاستقرار الفني التي عانى منها الأخضر السعودي ولبناء مشروع طويل الأمد قادر على تحقيق الألقاب والظهور بشكل مشرف عالميًا.
السياق العام وبداية المسيرة
تسلم رينارد قيادة المنتخب في فترة كانت تهدف إلى التحضير لتصفيات كأس العالم 2022 وبناء جيل جديد. كانت أولى محطاته الرسمية هي بطولة كأس الخليج “خليجي 24” في قطر عام 2019. قدم المنتخب أداءً جيدًا ووصل إلى المباراة النهائية، لكنه خسر اللقب أمام المنتخب البحريني بهدف نظيف. ورغم أن الوصول للنهائي كان خطوة إيجابية، إلا أن خسارة لقب كان في المتناول وفي بطولة ذات أهمية تاريخية وجماهيرية، شكلت أولى علامات الاستفهام حول قدرة المدرب على حسم النهائيات مع الأخضر.
الإنجاز الأكبر وخيبة الأمل المونديالية
تمثل المحطة الأبرز في مسيرة رينارد في قيادته للمنتخب بنجاح في التصفيات المؤهلة لكأس العالم 2022، حيث تصدر مجموعته الصعبة التي ضمت منتخبات قوية مثل اليابان وأستراليا. وفي نهائيات المونديال بقطر، حقق المنتخب السعودي تحت قيادته إنجازًا تاريخيًا سُجّل في أرشيف كرة القدم العالمية، وذلك بالفوز على منتخب الأرجنتين، الذي توج لاحقًا باللقب، بنتيجة 2-1. هذا الفوز لم يكن مجرد ثلاث نقاط، بل كان لحظة فخر وطنية وعربية رفعت سقف الطموحات إلى عنان السماء. لكن، سرعان ما تبدد هذا الحلم، حيث فشل المنتخب في استثمار هذا الفوز، وخسر المباراتين التاليتين أمام بولندا والمكسيك، ليودع البطولة من الدور الأول. وهكذا، تحول ما كان يمكن أن يكون بداية لمسيرة استثنائية إلى مجرد ذكرى تاريخية، وبقي الهدف الأسمى، وهو تجاوز دور المجموعات، بعيد المنال.
لغة الأرقام والإرث الفني
بعيدًا عن اللحظات العاطفية، تكشف الأرقام عن صورة أكثر واقعية. خلال فترة قيادته التي امتدت حتى مارس 2023، خاض المنتخب السعودي تحت إشراف رينارد 41 مباراة رسمية وودية، حقق خلالها 20 انتصارًا، وتعادل في 11، وتلقى 10 هزائم. ورغم أن نسبة الانتصارات تقارب 50%، إلا أن المشكلة لم تكن في الأرقام بقدر ما كانت في الأداء المتذبذب وغياب الهوية الهجومية الواضحة في أوقات الحسم. تميز المنتخب بالصلابة الدفاعية والتنظيم التكتيكي، لكنه عانى كثيرًا على مستوى صناعة الفرص وتسجيل الأهداف أمام المنتخبات المنظمة. لقد توفرت لرينارد كل عوامل النجاح من استقرار إداري ودعم لا محدود وجيل مميز من اللاعبين، لكن الحصيلة النهائية بقيت دون التوقعات، فلم يحقق أي لقب، واقتصر إنجازه الأكبر على فوز تاريخي لم يكتمل بالعبور إلى الأدوار الإقصائية. رحل رينارد لتدريب منتخب سيدات فرنسا، تاركًا خلفه إرثًا معقدًا يجمع بين لحظة تاريخية خالدة وشعور عام بأن المشروع لم يكتمل.


