مقدمة: خيبة أمل متجددة لجماهير الأخضر
مرة أخرى، يجد الجمهور السعودي نفسه في مواجهة خيبة أمل بعد خروج المنتخب الوطني الأول من إحدى البطولات الكبرى، لتعود إلى الأذهان سنوات طويلة من الغياب عن منصات التتويج. منذ الفوز بكأس الخليج عام 2003، لم يتمكن “الأخضر” من تحقيق أي لقب قاري أو إقليمي، وتتكرر مع كل إخفاق نفس الأعذار دون وجود خطة عمل واضحة وقوية قادرة على إعادة الهيبة والقوة للكرة السعودية. هذا الوضع يثير تساؤلات عميقة حول الأسباب الحقيقية وراء هذا التراجع، خاصة في ظل الدعم الحكومي غير المحدود والشغف الجماهيري الذي لا ينضب.
خلفية تاريخية: من العصر الذهبي إلى الجفاف الحالي
لفهم حجم الإحباط الحالي، لا بد من العودة إلى العصر الذهبي للمنتخب السعودي. ففي حقبة الثمانينيات والتسعينيات، كان “الأخضر” قوة كروية مهيمنة في آسيا، حيث حقق لقب كأس آسيا ثلاث مرات في أعوام 1984، 1988، و1996. كما بصم على مشاركات تاريخية في كأس العالم، أبرزها التأهل إلى دور الـ 16 في مونديال 1994 بالولايات المتحدة الأمريكية. هذه الإنجازات صنعت إرثاً كبيراً ورفعت سقف التوقعات، مما يجعل الجفاف الحالي الذي يمتد لعقدين من الزمن أمراً مؤلماً ومحبطاً للجميع.
تحليل الأسباب: هل المدرب هو المشكلة الوحيدة؟
تتجه أصابع الاتهام بشكل مباشر نحو الإدارة الفنية للمنتخب، حيث يرى الكثيرون أن اختيارات المدربين لم تكن موفقة، من هيرفي رينارد إلى روبرتو مانشيني. الانتقاد لا يقتصر على النتائج، بل يمتد إلى طريقة اختيار اللاعبين التي غالباً ما تعتمد على 4 أو 5 أندية كبرى، مع إهمال واضح للمواهب في بقية أندية دوري روشن ودوري يلو. المدرب الناجح لا يعتمد فقط على الأسماء اللامعة، بل هو من يكتشف المواهب ويصنع الانسجام ويغرس الروح القتالية في الفريق، وهو ما يبدو غائباً حالياً. إن تقديم المدربين لأعذار مثل تأثير زيادة عدد اللاعبين الأجانب في الدوري المحلي يُعتبر مؤشراً على عدم قدرتهم على إيجاد الحلول.
تأثير الاستثمار الرياضي وأهمية المرحلة المقبلة
تعيش المملكة العربية السعودية طفرة رياضية هائلة كجزء من رؤية 2030، مع استثمارات ضخمة في البنية التحتية واستقطاب نجوم عالميين لدوري روشن. هذا التطور الكبير يضع ضغطاً إضافياً على المنتخب الوطني ليكون واجهة مشرفة لهذه النهضة. فالمملكة مقبلة على استضافة بطولات كبرى وحاسمة، أبرزها كأس الخليج 2026 وكأس آسيا 2027 على أرضها. إن الفشل في بناء منتخب قوي وقادر على المنافسة سيؤثر سلباً على صورة هذا المشروع الرياضي الطموح. لذا، فإن اتخاذ قرارات حاسمة الآن، بدءاً من الجهاز الفني ووصولاً إلى استراتيجية اختيار اللاعبين، أصبح ضرورة ملحة وليس مجرد خيار.
بقعة ضوء وطريق المستقبل
وسط هذا المشهد، تبرز منتخبات الفئات السنية كنقطة مضيئة، حيث تحقق نتائج جيدة وتُظهر مواهب واعدة تحتاج إلى الرعاية والتطوير ومنحها الفرصة. يجب بناء جسر حقيقي بين هذه الفئات والمنتخب الأول، وتشجيع اللاعبين الشباب على الاحتراف الخارجي لاكتساب الخبرة. إن تجارب منتخبات مثل المغرب والأردن أثبتت أن المدرب المناسب الذي يمتلك الشخصية والطموح، مع لاعبين يمتلكون الروح القتالية، يمكنهم تحقيق إنجازات تفوق التوقعات. الخطوة الأولى نحو التصحيح تبدأ باختيار مدرب يريد صناعة النجاح لنفسه وللمنتخب، يتابع كل الدوريات، ويؤمن بأن العطاء في الملعب هو المعيار الوحيد للاختيار، وليس اسم النادي الذي يلعب له اللاعب.


