في ظل تسارع وتيرة الحياة المعاصرة وسيطرة التكنولوجيا على مفاصل الحياة اليومية، حذر مختصون في الشأن الاجتماعي والأسري والنفسي من خطورة تراجع ظاهرة التجمعات العائلية التقليدية. وأكد الخبراء لـ “اليوم” أن هذه اللقاءات لم تعد ترفاً اجتماعياً فائضاً عن الحاجة أو مجرد عادة موروثة من الماضي، بل تحولت إلى ضرورة ملحة وحاجة نفسية وتربوية “حتمية” لتعزيز الاستقرار النفسي وترميم الفجوة المتسعة بين الأجيال.
السياق الاجتماعي والتحولات الحديثة
تاريخياً، شكلت الأسرة الممتدة واللقاءات الدورية في “البيت الكبير” حجر الزاوية في البناء الاجتماعي للمجتمعات العربية والإسلامية، حيث كانت هذه المجالس بمثابة مدارس يتلقى فيها النشء القيم والعادات. ومع التحولات الاقتصادية والاجتماعية الحديثة، ونزوح الأسر نحو الاستقلال في وحدات سكنية صغيرة، بدأت هذه العادة في الانحسار، مما خلق نوعاً من العزلة الاجتماعية التي تهدد الهوية الثقافية والترابط الأسري، وهو ما يستدعي وقفة جادة لإعادة الاعتبار لهذه اللقاءات.
مناعة نفسية وصلة رحم
أجمع المختصون على أن اللقاءات الأسرية تمثل “مناعة نفسية” للأفراد ضد اكتئاب العصر وعزلته. وفي هذا السياق، وصف المستشار الأسري عبدالله بورسيس هذه الاجتماعات بأنها ركيزة أساسية لصلة الرحم التي حث عليها الدين الإسلامي الحنيف، مشدداً على أنها تتجاوز مجرد اللقاء العابر والشكلي.
وأوضح بورسيس أن هذه التجمعات تعد منصة للتعارف العميق بين الأصهار والأنساب، وتجسيداً حياً لقيم التكافل والتعاضد عند الأزمات والمناسبات، داعياً الأسر إلى ابتكار حوافز ذكية تضمن استمرارية هذه اللقاءات وجذب الأبناء إليها، مع توظيف التقنية الحديثة كأداة مساندة لربط المغتربين، وليس بديلاً عن التواصل المباشر.

مدرسة القيم ونقل الخبرات
من جانبه، اعتبر المستشار الأسري والتربوي عدنان الدريويش، البيت العائلي الكبير بمثابة “مدرسة تربوية مغلقة” ومحضن آمن تُغرس فيه القيم عبر القدوة والمشاهدة الحية لا عبر التلقين النظري. وأكد أن الأسر التي تحافظ على دورية لقاءاتها تكون أقدر على تخريج جيل متزن نفسياً، مشبعاً بقيم العطاء والانتماء، ومحصناً ضد العزلة الاجتماعية التي تفرضها الأجهزة الذكية.
ونبه الدريويش إلى أن غياب هذه اللقاءات يُحدث “شرخاً عاطفياً” ويوسع الفجوة بين الأجيال، مما يفتح الباب لسوء الفهم وتراجع القيم المشتركة، مستشهداً بالأثر النبوي الذي يربط صلة الرحم بسعة الرزق وطول الأثر، كدلالة قاطعة على البركة المادية والمعنوية التي تخلفها هذه الاجتماعات في حياة الفرد والمجتمع.
الرأي الطبي: استثمار في الصحة النفسية
ومن منظور طبي ونفسي، أكد طبيب الأسرة الدكتور عبدالله الحمام، أن الاجتماع العائلي يعد “استثماراً حقيقياً في الصحة النفسية”. وأشار إلى أن الدراسات العلمية الحديثة أثبتت الدور الفعّال للتواصل الاجتماعي المباشر في خفض مستويات هرمونات التوتر (الكورتيزول) وتعزيز الشعور بالأمان العاطفي، كون الفرد يتواجد في بيئة حاضنة تتقبله بجميع حالاته، قبل نجاحاته وبعد إخفاقاته.

وأوضح الدكتور الحمام أن المواجهة المباشرة والابتسامة والأحاديث العفوية داخل المحيط العائلي كفيلة بإذابة جليد الخلافات المتراكمة وحل الإشكالات المعقدة بمرونة عالية، واصفاً الذكريات التي تصنعها هذه اللقاءات من ضحكات ومواقف بأنها “جذور نفسية” تمنح الأبناء الثبات والصلابة في مواجهة عواصف الحياة المستقبلية وتحدياتها.
الأثر المجتمعي العام
ختاماً، لا يقتصر أثر هذه التجمعات على النطاق العائلي الضيق، بل يمتد ليشمل المجتمع بأسره. فالمجتمعات التي تتمتع بروابط أسرية قوية تسجل عادة معدلات أقل في الجريمة والمشاكل النفسية، وتتمتع بنسيج اجتماعي متماسك قادر على مواجهة التحديات الثقافية والاقتصادية، مما يجعل الحفاظ على هذه العادة مسؤولية مجتمعية ووطنية تساهم في حماية الهوية وتعزيز الأمن الاجتماعي.


