أكد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، مارك روته، أن التوصل إلى توافق أمريكي أوروبي حول خطة لإنهاء حرب أوكرانيا سيشكل لحظة فارقة واختباراً حاسماً لجدية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الجنوح نحو السلام. جاءت هذه التصريحات في وقت تشهد فيه الساحة الدولية حراكاً دبلوماسياً مكثفاً لمحاولة وضع حد للنزاع المستمر منذ فبراير 2022.
اختبار النوايا الروسية
وفي خطاب ألقاه في العاصمة الألمانية برلين، أشار روته إلى أن التاريخ القريب للصراع يظهر أن الكرملين لم ينخرط في مسارات التفاوض إلا تكتيكياً. وقال: “حتى الآن، لم يؤد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دور الوسيط أو المفاوض إلا عندما يخدم ذلك مصالحه العسكرية، غالباً لكسب الوقت لإعادة تنظيم صفوفه ومواصلة الحرب”.
ويرى مراقبون أن هذا التصريح يأتي في سياق ضغط غربي متزايد لإجبار موسكو على الكشف عن أوراقها، فإما القبول بمسار سياسي جاد أو تحمل مسؤولية استمرار الاستنزاف أمام المجتمع الدولي.
دور ترامب والمقترح المثير للجدل
تطرق روته إلى الدور المحوري للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، واصفاً إياه بأنه “الشخص الوحيد القادر على إجبار بوتين على الجلوس إلى طاولة المفاوضات”، نظراً لرغبة ترامب المعلنة في وقف إراقة الدماء فوراً. وتأتي هذه التصريحات على خلفية إعلان مسؤولين أوكرانيين عن إرسال خطة معدلة إلى واشنطن لإنهاء الغزو، تستند في أساسها إلى مقترح من 28 بنداً قدمه ترامب الشهر الماضي.
وكانت الخطة الأصلية قد أثارت تحفظات واسعة في كييف وبين الحلفاء الأوروبيين، حيث تضمنت بنوداً فُسرت على أنها تنازلات مؤلمة تشمل تخلي أوكرانيا عن أراضٍ لم تسيطر عليها روسيا بالكامل، وهو ما عدته أوكرانيا مراعاة مفرطة للمطالب الروسية تمس سيادتها الوطنية.
الدعم الصيني وتوازن القوى
لم يغفل الأمين العام للناتو البعد الجيوسياسي الأوسع للصراع، موجهاً أصابع الاتهام إلى بكين. وأكد روته أن الصين تمثل “شريان الحياة” الذي يغذي الآلة العسكرية الروسية، قائلاً: “دون دعم الصين، لن تتمكن روسيا من مواصلة هذه الحرب”.
وعلى الرغم من إعلان الصين رسمياً اتخاذ موقف الحياد وامتناعها عن إدانة الغزو الروسي، إلا أن الشراكة التجارية والاقتصادية المتنامية بين موسكو وبكين ساهمت في تخفيف وطأة العقوبات الغربية على الاقتصاد الروسي، مما مكن الكرملين من الاستمرار في تمويل عملياته العسكرية.
تداعيات فشل السلام على الأمن الأوروبي
حذر روته من سيناريوهات قاتمة في حال فشل جهود السلام وسقوط أوكرانيا تحت وطأة الاحتلال الروسي. وأوضح أن التكلفة المالية والأمنية على حلف الناتو ستكون باهظة جداً، حيث سيتحتم على الحلف زيادة وجوده العسكري بشكل كبير على الجناح الشرقي لأوروبا.
وأضاف أن هذا السيناريو سيفرض على الحلفاء زيادة الإنفاق الدفاعي وتسريع وتيرة الإنتاج العسكري لضمان الردع الفعال، مما سيغير الخريطة الأمنية للقارة الأوروبية لعقود قادمة.
ومن المقرر أن تشهد نهاية الأسبوع مزيداً من المحادثات بين المسؤولين الألمان والأمريكيين، وسط توقعات بعقد اجتماع دولي موسع حول أوكرانيا مطلع الأسبوع المقبل، في محاولة لبلورة رؤية موحدة تضع حداً لأكبر نزاع عسكري في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.


