مع اقترابنا من منتصف ديسمبر 2025، يقف الذهب على أعتاب إغلاق عام استثنائي بكل المقاييس، مسجلاً مكاسب ناهزت 60%، وهو الأداء السنوي الأفضل للمعدن النفيس منذ عام 1979. هذا الصعود القوي لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تراكمات اقتصادية وجيوسياسية جعلت من عام 2025 العام الثاني على التوالي الذي تتفوق فيه عوائد الذهب على الأسهم والسندات، مكرساً تفوقه على سوق السندات لعقد كامل من الزمان.
السياق التاريخي والملاذ الآمن
لفهم حجم هذا الإنجاز، يجب العودة إلى الوراء قليلاً. تاريخياً، لطالما اعتبر الذهب “الملاذ الآمن” في أوقات الأزمات والغموض الاقتصادي. الأداء الحالي يعيد للأذهان حقبة السبعينيات، حينما ارتفع الذهب بشكل جنوني استجابة للتضخم المرتفع والتوترات العالمية. اليوم، يعيد التاريخ نفسه بظروف مشابهة، حيث يلجأ المستثمرون والبنوك المركزية إلى الذهب كأداة تحوط أساسية ضد تقلبات العملات الورقية والمخاطر الجيوسياسية المتزايدة.
توقعات أسعار الذهب 2026: هل نرى 5000 دولار؟
تشير التحليلات الصادرة عن كبرى المؤسسات المالية إلى أن الزخم الصعودي لم ينتهِ بعد. يرى راجات بهاتاشاريا، كبير استراتيجيي الاستثمار في بنك “ستاندرد تشارترد”، أن الطلب القياسي المدفوع بالمخاوف الجيوسياسية وتيسير السياسات المالية قد رفع الأسعار بأكثر من 150% خلال السنوات الثلاث الماضية. ويتوقع البنك أن يبلغ متوسط السعر 4500 دولار للأوقية خلال الأشهر الـ 12 المقبلة.
من جانب آخر، تذهب توقعات “بنك أوف أمريكا” إلى أبعد من ذلك، حيث يتوقع مايكل ويدمر، رئيس قسم أبحاث المعادن، أن يصل السوق إلى مستوى قياسي يبلغ 5000 دولار في عام 2026، بمتوسط سعر 4538 دولاراً. هذا الرقم يمثل حاجزاً نفسياً وتقنياً هائلاً، ويعكس تحولاً جذرياً في تقييم الأسواق للمعادن الثمينة.
وفي حين يحذر كارستن فريتش من “كوميرز بنك” من أن وتيرة الصعود الحالية قد تكون غير مستدامة، متوقعاً استقراراً عند 4400 دولار، إلا أن الإجماع العام يميل نحو الصعود. حيث يؤكد أكاش دوشي من “ستيت ستريت” أن مستويات الدعم ارتفعت، وبات مستوى 4000 دولار هو القاعدة الجديدة، مما يمهد الطريق لمزيد من الارتفاعات.
تحول استراتيجي في احتياطيات البنوك المركزية
أحد أهم العوامل المحركة لهذا الصعود هو التغير الهيكلي في سلوك البنوك المركزية. منذ عام 2022، تدفقت كميات هائلة من الذهب إلى الاحتياطيات الرسمية للدول، متجاوزة 3000 طن. وفي سابقة تاريخية شهدها عام 2025، تجاوزت قيمة احتياطيات الذهب الرسمية حيازات سندات الخزانة الأمريكية لدى العديد من البنوك المركزية.
هذا التحول يحمل دلالات اقتصادية عميقة على المستوى الدولي، حيث يشير إلى رغبة الدول في تنويع احتياطياتها بعيداً عن الدولار والسندات الحكومية، مما يعزز من مكانة الذهب كأصل نقدي عالمي مستقل. وتشير التوقعات إلى أن البنوك المركزية قد ترفع تخصيصها للذهب ليصل إلى 30% من إجمالي الاحتياطيات، مما يوفر أرضية صلبة للأسعار.
مستقبل الاستثمار في 2026
مع استمرار الارتباط الوثيق بين الأسهم والسندات، تتوقع شانتيل شيفن من “كابيتالايت ريسيرش” أن يلعب الذهب دوراً محورياً في تنويع المحافظ الاستثمارية. ومع توقعات خفض أسعار الفائدة واستمرار التضخم، من المرجح أن يتجه المستثمرون الأفراد بقوة نحو الذهب كبديل للمحافظ التقليدية (60/40)، مما قد يدفع الأسعار لاختبار مستويات الـ 5000 دولار للأوقية في العام المقبل.


