ألمانيا ترسل جنوداً لبولندا لتحصين الحدود ضد روسيا

ألمانيا ترسل جنوداً لبولندا لتحصين الحدود ضد روسيا

ديسمبر 13, 2025
9 mins read
ألمانيا تعلن إرسال قوات عسكرية إلى بولندا للمشاركة في تحصين الحدود الشرقية وبناء خطوط دفاعية، في خطوة تاريخية لتعزيز أمن الناتو ضد التهديدات الروسية.



في تطور لافت يعكس عمق التحولات الجيوسياسية في القارة الأوروبية وتصاعد حدة التوترات مع موسكو، أعلنت ألمانيا رسمياً عزمها إرسال وحدات من جيشها إلى بولندا. تهدف هذه الخطوة الاستراتيجية إلى تقديم الدعم الميداني والهندسي في مشروع ضخم لتحصين الحدود الشرقية للاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، وذلك في ظل تزايد المخاوف الأمنية من التهديدات الروسية المستمرة وتداعيات الحرب في أوكرانيا.

طبيعة المهمة الألمانية: هندسة دفاعية

أوضح ناطق رسمي باسم وزارة الدفاع الألمانية، مساء الجمعة، تفاصيل هذه المهمة العسكرية، مشيراً إلى أن الدور الرئيسي للجنود الألمان لن يكون قتالياً بالمعنى التقليدي، بل سيركز بشكل أساسي على “الأنشطة الهندسية”. وأكد المتحدث أن هذه الأعمال الحيوية ستشمل بناء تحصينات ميدانية متقدمة، وحفر خنادق استراتيجية، ووضع نطاقات واسعة من الأسلاك الشائكة، بالإضافة إلى إقامة حواجز خرسانية ومعدنية مخصصة لصد الدبابات والآليات الثقيلة، مما يعكس طبيعة الاستعدادات لسيناريوهات عسكرية تقليدية.

السياق الاستراتيجي: مشروع “الدرع الشرقي”

تأتي هذه الخطوة الألمانية استجابةً للخطط التي أعلنت عنها وارسو في مايو الماضي، والتي تهدف إلى تعزيز وتأمين قسم طويل وحساس من حدودها المتاخمة لكل من بيلاروسيا (حليفة موسكو الوثيقة) وجيب كالينينغراد الروسي المدجج بالسلاح. وتعتبر بولندا، التي تعد واحدة من أكبر الداعمين لأوكرانيا سياسياً وعسكرياً، أن تأمين هذه الحدود هو أولوية قصوى للأمن القومي البولندي والأوروبي على حد سواء، خاصة في ظل استخدام بيلاروسيا لملف المهاجرين كأداة للضغط، والتهديدات العسكرية المباشرة من الجانب الروسي.

أبعاد تاريخية وسياسية للحدث

يحمل إرسال جنود ألمان إلى الأراضي البولندية دلالات تاريخية وسياسية عميقة، تتجاوز مجرد التعاون العسكري التقني. فبالنظر إلى تاريخ الحرب العالمية الثانية، كان تواجد القوات الألمانية في بولندا مسألة شديدة الحساسية لعقود طويلة. إلا أن المتغيرات الأمنية الحالية التي فرضتها الحرب الروسية الأوكرانية دفعت البلدين العضوين في الناتو والاتحاد الأوروبي إلى تجاوز عقد الماضي، وتوحيد الجهود لمواجهة “الخطر الوجودي” المشترك. يُعد هذا التعاون دليلاً ملموساً على التزام ألمانيا بمسؤولياتها الدفاعية ضمن حلف الناتو، وتطبيقاً لسياسة “نقطة التحول” (Zeitenwende) التي أعلنها المستشار الألماني لتعزيز القدرات الدفاعية.

تعزيز الجناح الشرقي للناتو

على الصعيد الإقليمي والدولي، يبعث هذا التحرك برسالة واضحة إلى الكرملين حول تماسك الجبهة الغربية. فتحصين الحدود البولندية لا يحمي وارسو فحسب، بل يشكل خط الدفاع الأول عن دول البلطيق وعمق القارة الأوروبية. وتأتي هذه التحصينات كجزء من استراتيجية الردع التي يتبناها الناتو لمنع أي تفكير روسي في اختبار المادة الخامسة من ميثاق الحلف، والتي تنص على الدفاع المشترك.

الجدول الزمني وحجم القوات

وفيما يتعلق بالتفاصيل اللوجستية، لم يحدد الناطق باسم وزارة الدفاع الألمانية العدد الدقيق للقوات المشاركة، مكتفياً بالإشارة إلى أنه سيكون “عدداً متوسطاً من رقمين” (أي بالعشرات)، مما يشير إلى طبيعة المهمة التخصصية وليست القتالية الواسعة. ومن المقرر أن يبدأ نشر هذه القوات والمشاركة الفعلية في المشروع الهندسي اعتباراً من الربع الثاني من عام 2026، على أن تستمر المهمة حتى نهاية عام 2027، مما يعكس التزاماً طويل الأمد بتأمين البوابة الشرقية لأوروبا.


أذهب إلىالأعلى